أكثر من 100 تصادم كوني يكشف أسرار الثقوب السوداء
الثقوب السوداء من أكثر الأجسام غرابة وإثارة في الكون (صورة مولدة من كانفا)
بعد أكثر من قرن على تنبؤ ألبرت أينشتاين بوجودها، تواصل موجات الجاذبية فتح نافذة غير مسبوقة على أعنف الأحداث في الكون. فقد أعلن علماء الفيزياء الفلكية عن اكتشاف أكثر من مئة حدث جديد من التموجات في نسيج الزمكان، الناتجة عن تصادمات هائلة بين الثقوب السوداء والنجوم النيوترونية، في إنجاز يضاعف تقريبًا عدد هذه الظواهر المرصودة حتى الآن، ويكشف أن الكون أكثر صخبًا وحيوية مما كان يعتقد سابقًا.
قفزة كبيرة في رصد الكون
النتائج الجديدة جاءت ضمن أحدث إصدار من فهرس موجات الجاذبية العابر (GWTC-4)، الذي يضم 128 مصدرًا بعيدًا للغاية لموجات الجاذبية رصدتها شبكة المراصد العالمية بين مايو 2023 ويناير 2024. وتشمل هذه الشبكة ثلاثة مراصد رئيسية:
مرصد ليغو LIGO في الولايات المتحدة
مرصد فيرغو Virgo في إيطاليا
مرصد كاجرا KAGRA في اليابان
ويعني هذا الاكتشاف أن عدد الأحداث المسجلة تضاعف تقريبًا مقارنة بالجولات الأولى من الرصد، التي لم تتجاوز فيها الاكتشافات نحو 90 مصدرًا محتملاً.
ماذا تعني موجات الجاذبية؟
موجات الجاذبية هي تموجات في نسيج الزمكان تنشأ عندما تصطدم أجسام فائقة الكثافة مثل الثقوب السوداء أو النجوم النيوترونية. وقد تنبأ ألبرت أينشتاين، (1879 – 1955) هو أحد أعظم علماء الفيزياء في التاريخ، بوجودها عام 1915 في إطار نظريته في النسبية العامة، لكن أول رصد مباشر لها لم يتحقق إلا في عام 2015 عندما سجل مرصد LIGO إشارات قادمة من اندماج ثقبين أسودين على بعد 1.3 مليار سنة ضوئية.
ومنذ ذلك الحين، أصبح العلماء قادرين على “الاستماع” إلى الكون بطريقة جديدة، عبر التقاط هذه التموجات الدقيقة التي تحمل معلومات عن أحداث كونية بعيدة وعنيفة.

تصادمات أكثر ضخامة وغرابة
يكشف الفهرس الجديد عن تنوع لافت في هذه الأحداث الكونية. فقد رُصدت اندماجات بين أثقل أزواج من الثقوب السوداء المعروفة حتى الآن، حيث بلغت كتلة كل منها نحو 130 ضعف كتلة الشمس. كما سجل العلماء ثقوبًا سوداء تدور بسرعات هائلة تصل إلى 40٪ من سرعة الضوء.
ويرجح الباحثون أن بعض هذه الأجسام الضخمة قد تكون تشكلت نتيجة سلسلة من الاندماجات المتتالية، وهو ما قد يفسر كيف تنمو بعض الثقوب السوداء لتصل إلى كتل تعادل مليارات أضعاف كتلة الشمس.
اختبار مستمر لنظرية أينشتاين
تكشف البيانات الجديدة أيضًا عن مدى التطور الكبير في حساسية أجهزة الرصد. فقد تمكنت المراصد من تسجيل اندماجات نجوم نيوترونية على بعد مليار سنة ضوئية، بينما وصلت إشارات بعض تصادمات الثقوب السوداء إلى الأرض من مسافات تقارب 10 مليارات سنة ضوئية.
وبالنسبة للعلماء، فإن هذه الاكتشافات لا تمثل مجرد إضافة رقمية إلى سجل الرصد، بل تقدم اختبارات دقيقة ومتواصلة لنظرية النسبية العامة. وحتى الآن، ما تزال تنبؤات أينشتاين تصمد أمام هذه الاختبارات، فيما يواصل الباحثون استخدام موجات الجاذبية لفك مزيد من ألغاز الكون وتاريخه العنيف.
يشار إلى أن تُعدّ الثقوب السوداء من أكثر الأجسام غرابة وإثارة في الكون. فهي شديدة الكثافة إلى حدٍ هائل، وتمتلك قوة جاذبية هائلة لدرجة أن لا شيء يستطيع الإفلات منها، حتى الضوء نفسه، بمجرد أن يعبر الحدّ الفاصل المعروف باسم أفق الحدث.