الخبير الاقتصادي نوار السعدي: هكذا تعيد حرب إيران رسم الاقتصاد الدولي

مارس 26, 2026
216

الكاتب يرى أن العالم أمام إعادة تسعير طويلة الأمد للمخاطر (صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي)

د. نوار السعدي/ أكاديمي عراقي متخصص في الاقتصاد الدولي

الحرب الدائرة حالياً بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، لا تمثل مجرد تصعيد عسكري تقليدي، بل تعكس تحولاً عميقاً في بنية الاقتصاد العالمي، حيث أصبحت الجغرافيا السياسية للطاقة هي المحدد الأول لمسارات النمو، والتضخم، والاستقرار المالي. ما نشهده اليوم هو إعادة تسعير شاملة للمخاطر، ليس فقط في أسواق النفط، بل في مجمل النظام الاقتصادي الدولي.

على المستوى الكلي، تمثل هذه الحرب صدمة عرض حادة (Supply Shock) في سوق الطاقة. تشير التقديرات إلى أن ما بين 18 إلى 21 مليون برميل يومياً تمر عبر مضيق هرمز، أي ما يقارب 20% من الاستهلاك العالمي للنفط. أي تعطيل جزئي بنسبة 30% فقط من هذا التدفق يعني سحب نحو 6 ملايين برميل يومياً من السوق، وهو رقم يفوق الطاقة الفائضة لدى منظمة أوبك في أفضل حالاتها. هذه الفجوة تترجم مباشرة إلى ارتفاعات سعرية قد تدفع النفط إلى نطاق يتراوح بين 110 إلى 140 دولاراً للبرميل في المدى القصير، وفق نماذج المرونة السعرية للطلب على الطاقة.

هذا الارتفاع لا يبقى محصوراً في قطاع الطاقة، بل ينتقل عبر ما يسمى “قناة التكلفة” إلى باقي القطاعات. فكل زيادة بمقدار 10 دولارات في سعر النفط ترفع معدل التضخم العالمي بنحو 0.3 إلى 0.5 نقطة مئوية. وعليه، فإن القفزة الحالية قد تضيف ما بين 1.5 إلى 2 نقطة مئوية إلى التضخم العالمي، وهو ما يعيد الاقتصادات المتقدمة إلى مربع السياسات النقدية المتشددة، ويرفع أسعار الفائدة الحقيقية، ويضغط على الاستثمار والاستهلاك في آن واحد.

في هذا السياق، يصبح سيناريو “الركود التضخمي” هو الأكثر ترجيحاً. نحن أمام تباطؤ محتمل في النمو العالمي من مستويات تقارب 3% إلى ما دون 2%، مع ارتفاع التضخم إلى مستويات تتجاوز مستهدفات البنوك المركزية بكثير. هذه المعادلة تعني تآكل القوة الشرائية، وتراجع أرباح الشركات، وزيادة معدلات البطالة، خاصة في الاقتصادات المستوردة للطاقة.

أما على مستوى الشرق الأوسط، فإن الصورة أكثر تعقيداً. إيران، التي تعتمد على النفط كمصدر رئيسي للعملة الصعبة، تواجه صدمة مزدوجة: الأولى في القدرة على التصدير، والثانية في البنية التحتية. أكثر من 90% من صادرات النفط الإيرانية تمر عبر جزيرة خرج، التي تقدر طاقتها التصديرية بنحو 1.5 إلى 2 مليون برميل يومياً في ظل العقوبات. أي تعطيل كامل لهذه الجزيرة يعني خسارة سنوية تتراوح بين 40 إلى 60 مليار دولار من الإيرادات، وهو ما يعادل نسبة كبيرة من الموازنة العامة الإيرانية.

السعدي: إيران تستخدم مضيق هرمز كأداة ضغط اقتصادي (أوج 24)
السعدي: إيران تستخدم مضيق هرمز كأداة ضغط اقتصادي (أوج 24)

أداة ضغط 

لكن في المقابل، تستخدم إيران مضيق هرمز كأداة ضغط اقتصادي. هذا السلوك يمكن تفسيره ضمن إطار “تكافؤ الألم الاقتصادي”، حيث تسعى طهران إلى تعميم تكلفة الصراع على الاقتصاد العالمي، وليس تحملها منفردة. تعطيل الملاحة، حتى لو كان جزئياً، يرفع تكاليف التأمين البحري بنسبة قد تصل إلى 300%، ويزيد تكلفة الشحن للبرميل الواحد بنحو 2 إلى 4 دولارات، وهو ما ينعكس مباشرة على الأسعار النهائية.

دول الخليج تقف أمام معادلة دقيقة للغاية. من الناحية الحسابية البحتة، كل ارتفاع بمقدار 10 دولارات في سعر النفط يضيف عشرات المليارات من الدولارات إلى إيرادات هذه الدول سنوياً. على سبيل المثال، دولة تنتج 10 ملايين برميل يومياً قد تحقق زيادة سنوية تقارب 36 مليار دولار عند ارتفاع السعر 10 دولارات فقط. لكن هذه المكاسب قصيرة الأجل تقابلها مخاطر استراتيجية كبيرة.

أول هذه المخاطر هو الاعتماد المفرط على ممر جغرافي واحد. نحو 80 إلى 90% من صادرات بعض دول الخليج تمر عبر مضيق هرمز. أي إغلاق مستمر يعني شلل شبه كامل في الصادرات، حتى مع وجود بدائل محدودة مثل خطوط الأنابيب. ثانيها، أن ارتفاع الأسعار لفترة طويلة يؤدي إلى تدمير الطلب (Demand Destruction)، حيث تبدأ الاقتصادات الكبرى في تقليص استهلاكها والتحول نحو بدائل، ما يضغط على الأسعار في المدى المتوسط.

كما أن ارتفاع تكاليف التأمين والنقل قد يلتهم جزءاً كبيراً من العوائد الإضافية. في بعض الحالات، ارتفعت أقساط التأمين على الناقلات إلى ما يعادل 1% من قيمة الشحنة، أي ما يقارب مليون دولار للناقلة الواحدة، وهو رقم لم يكن يتجاوز بضعة مئات الآلاف في الظروف الطبيعية.

الحرب الدقيقة   

فيما يتعلق بتصريحات دونالد ترامب حول السيطرة على جزيرة خرج، فإنني أرى أنها تعكس تحولاً استراتيجياً نحو ما يمكن تسميته “الحرب الاقتصادية الدقيقة”. الهدف هنا ليس احتلال أراضٍ، بل السيطرة على عقد الإنتاج والتصدير. إذا ما تمت السيطرة فعلياً على الجزيرة، فإن ذلك يعني خفض صادرات إيران إلى مستويات قريبة من الصفر، وهو ما قد يؤدي إلى انكماش اقتصادي حاد يتجاوز 10% من الناتج المحلي الإجمالي الإيراني في عام واحد.

لكن هذا السيناريو يحمل في طياته مخاطر تصعيدية كبيرة. إيران قد ترد عبر توسيع نطاق الهجمات لتشمل منشآت نفطية في الخليج، وهو ما قد يسحب من السوق ما بين 3 إلى 5 ملايين برميل إضافية يومياً. في هذه الحالة، قد نشهد أسعاراً تتجاوز 150 دولاراً للبرميل، وهو مستوى كفيل بإدخال الاقتصاد العالمي في ركود عميق.

الأهم من كل ذلك، أن هذه الحرب تعيد تعريف مفهوم الأمن الاقتصادي. لم يعد الأمر يتعلق فقط بحجم الاحتياطيات أو قوة العملة، بل بالقدرة على تأمين سلاسل الإمداد، وتنويع مصادر الطاقة، وتقليل الاعتماد على نقاط الاختناق الجغرافية. الدول التي ستخرج بأقل الخسائر هي تلك التي تمتلك مرونة هيكلية عالية، وليس فقط موارد مالية كبيرة.

بالنسبة للعراق، فإن التأثير سيكون مزدوجاً. من جهة، ستزداد الإيرادات النفطية بشكل ملحوظ، ما قد يخلق فائضاً مالياً مؤقتاً. لكن من جهة أخرى، فإن أي اضطراب في الصادرات أو ارتفاع في المخاطر الأمنية قد يؤدي إلى تقلبات حادة في الإيرادات، وهو ما ينعكس على الاستقرار المالي. كما أن الاعتماد شبه الكامل على النفط يجعل الاقتصاد العراقي عرضة لهذه الصدمات بشكل مباشر.

في تقديري، نحن أمام لحظة تحول في الاقتصاد العالمي، حيث يتم الانتقال من نظام يعتمد على الكفاءة والتكامل، إلى نظام يقوم على الأمن والمرونة. هذه الحرب قد تسرّع من تفكك العولمة، وتدفع نحو إعادة تموضع سلاسل الإمداد، وتعزيز النزعات الحمائية.

يعني الصورة النهائية التي أراها بوضوح هي أن هذه الحرب لن تكون قصيرة الأجل في آثارها الاقتصادية، حتى لو توقفت عسكرياً خلال فترة محدودة. نحن أمام إعادة تسعير طويلة الأمد للمخاطر، ستنعكس على أسعار الطاقة، وتكاليف التمويل، وأنماط الاستثمار لسنوات قادمة. وفي مثل هذه اللحظات، لا يكون السؤال من سيربح الحرب عسكرياً، بل من يستطيع التكيف اقتصادياً مع عالم أكثر تقلباً وأقل يقيناً.

المصدر: أوج 24

حول هذه القصة

هل بدأت السعودية التفكير في بديل لمضيق هرمز؟

لماذا أرجأ ترامب ضرب محطات الطاقة في إيران؟ 5 أسباب تفسر ذلك

اللغز الخطير في هرمز: كيف تحاصر إيران أقوى جيش في العالم؟

اترك تعليقاً