الكرد في مرمى الحرب الإيرانية-الأميركية: فرصة مؤجلة أم فخ جديد؟

في الحروب الكبرى، لا تكون المشكلة دائما في غياب الفرص، بل في كلفة الاقتراب منها. هذا هو المأزق الذي يواجهه الكرد اليوم مع اتساع المواجهة الأميركية ـ الإسرائيلية مع إيران

مارس 15, 2026
151

حسين أسكندر 

في الحروب الكبرى، لا تكون المشكلة دائما في غياب الفرص، بل في كلفة الاقتراب منها. هذا هو المأزق الذي يواجهه الكرد اليوم مع اتساع المواجهة الأميركية ـ الإسرائيلية مع إيران: نافذة محتملة لإضعاف النظام في طهران، تقابلها مخاوف عميقة من أن يتحول أي انخراط كردي إلى مغامرة باهظة تنتهي بانتقام إيراني قاسٍ، فيما لا تزال الضمانات الأميركية غامضة، ومتقلبة، وخاضعة لحسابات المصالح أكثر من التزامات الشراكة.

بين إغراء اللحظة وميراث الخيبات، تبدو النخبة الكردية منقسمة بين من يرى في الحرب فرصة تاريخية لإعادة طرح القضية الكردية داخل إيران، ومن يحذر من تكرار سيناريوهات قديمة دُفع فيها الكرد إلى خطوط النار، ثم تُركوا وحدهم عند لحظة التسوية.

منذ الأيام الأولى للحرب، ارتفع سقف التوقعات بعد تصريحات للرئيس الأميركي دونالد ترامب بدت مشجعة لاحتمال انخراط فصائل كردية إيرانية معارضة في عمليات داخل إيران. غير أن ترامب عاد لاحقا وتراجع عن هذا الاتجاه، قائلا إنه لا يريد تعقيد الحرب ولا تعريض الكرد للقتل. هذا التبدل السريع خفف الضغط عن قيادة إقليم كردستان العراق، وهدأ بعض المخاوف من أن يؤدي أي تحرك كردي إلى توسيع دائرة الاستهداف الإيراني للإقليم.

 لحظة إقليمية حساسة   

في الخلفية، كانت ستة أحزاب كردية إيرانية قد أعلنت في 22 شباط/فبراير تشكيل تحالف القوى السياسية في كردستان إيران، في خطوة عكست رغبة واضحة في توحيد الموقف قبيل لحظة إقليمية شديدة الحساسية. وتملك هذه الأحزاب حضورا سياسيا وتنظيميا في المناطق الكردية غربي إيران، حيث يعيش ملايين الكرد، وكان لهم دور بارز في موجات الاحتجاج الأخيرة، من احتجاجات مهسا أميني عام 2022 إلى احتجاجات أواخر 2025 وبدايات 2026 المرتبطة بالأزمة الاقتصادية وانهيار العملة.

لكن واشنطن، رغم ما بدا في البداية من حماسة لاستثمار الورقة الكردية، لم تقدم إطارا واضحا لدور هذه القوى، ولا ضمانات سياسية أو عسكرية كافية. فالتصور الأميركي، كما يراه مراقبون، قام على إحداث صدمة داخلية في إيران عبر الضربات الجوية واغتيال كبار القادة، بما يفتح المجال أمام اضطرابات واسعة وربما انتفاضات في الأطراف القومية، وبينها المناطق الكردية. إلا أن هذه المقاربة تعثرت، ولم تؤد حتى الآن إلى انهيار داخلي حاسم، ما دفع واشنطن إلى إعادة حساباتها والبحث عن أدوات أقل كلفة وأكثر قابلية للضبط.

هنا تحديدا برزت المعضلة الكردية. فإقليم كردستان العراق، بحكم الجغرافيا ووجود قواعد أميركية على أراضيه، وبحكم استضافة أحزاب كردية إيرانية معارضة، وجد نفسه في قلب معادلة شديدة الحساسية. أي سماح بعبور الفصائل أو دعم لتحركها كان سيعني، عمليا، وضع الإقليم في مواجهة مباشرة مع إيران. ولهذا سارعت قيادته، وخصوصا الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، إلى إعلان الحياد، ورفض استخدام أراضي الإقليم في أي عمل عسكري ضد إيران، بالتوازي مع تنسيق أمني مع بغداد لضبط الحدود.

هذا الموقف لم يكن نابعا فقط من الحرص على الاستقرار، بل أيضا من إدراك محدودية القدرة الدفاعية للإقليم في مواجهة الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية. كما أنه يعكس قناعة متزايدة داخل الأوساط الكردية بأن الرهان على الوعود الأميركية وحدها ينطوي على مجازفة كبيرة، خصوصا في ظل سجل طويل من الخذلان.

لهذا استعاد كثير من الكتاب والباحثين الكرد محطات تاريخية مؤلمة: من انتكاسة 1975، إلى حملة الأنفال وحلبجة، إلى انتفاضة 1991، ثم استفتاء 2017 في العراق، وأخيرا تجربة قوات سوريا الديمقراطية، حين بدا للكثيرين أن واشنطن أعادت ترتيب أولوياتها بسرعة، تاركة حلفاءها أمام وقائع جديدة. هذه الذاكرة الثقيلة هي التي تجعل أي دعوة أميركية راهنة موضع شك، مهما بدت مغرية في ظاهرها.

بعض الأصوات الكردية لا تنكر أن الحرب قد تفتح فرصة نادرة لإضعاف قبضة طهران وإعادة طرح المطالب الكردية، لكنها تشدد على أن الفرصة لا تكفي وحدها. فالمشكلة ليست في بدء المعركة، بل في اليوم التالي لها: من سيحمي المناطق الكردية إذا فشل التحرك؟ ومن سيضمن ألا تتحول التسوية لاحقا إلى صفقة جديدة يدفع الكرد ثمنها؟ ومن يضمن أصلا أن الهدف الأميركي هو تغيير النظام، لا مجرد تعديل سلوكه أو إعادة تشكيل رأسه؟

في المقابل، هناك من يرى أن الإفراط في الحذر قد يضيع لحظة قد لا تتكرر. فبعض النشطاء والكتّاب يعتبرون أن على القوى الكردية الإيرانية أن تكون جاهزة للحضور في أي مرحلة انتقالية، حتى لا تجد نفسها مرة أخرى خارج خرائط ما بعد الحرب. لكن هذا الرأي يبقى مشروطا بعدم الانجرار إلى مطالب مفرطة أو مغامرات غير محسوبة، وبالعمل ضمن تصور سياسي أوسع للتغيير داخل إيران، لا عبر الارتهان الكامل لأجندة خارجية.

مشهد معقد   

ويزداد المشهد تعقيدا مع العامل التركي. فأنقرة ترفض بشدة أي تمكين ميداني لقوى كردية مسلحة على حدود إيران، وخصوصا حزب الحياة الحرة الكردستاني (بيجاك)، المرتبط أيديولوجيا وتنظيميا بحزب العمال الكردستاني. تركيا ترى أن أي صعود لهذا التيار لا يهدد إيران وحدها، بل ينعكس مباشرة على أمنها القومي، ولهذا تراقب التطورات عن كثب وتضغط لمنع تحويل القوى الكردية إلى أداة في الحرب.

أما على الأرض، فالمفارقة أن إقليم كردستان، رغم إعلانه الحياد، لم ينج من تداعيات الحرب. الهجمات الإيرانية المتكررة عطلت مرافق ومؤسسات، وأربكت الحياة اليومية، ودفعت كثيرين إلى مغادرة مناطقهم، فيما ارتفعت كلفة المعيشة وتوقفت الدراسة في عدد من المناطق. وهذا يعزز شعورا واسعا لدى السكان بأنهم يدفعون ثمن حرب لا يريدونها، ولا يملكون أدوات التأثير في مسارها.

خلاصة المشهد أن الكرد يقفون اليوم أمام معادلة قاسية: فرصة سياسية محتملة، لكن داخل حقل ألغام إقليمي ودولي. الانخراط في الحرب قد يمنحهم موقعا في لحظة التحول، لكنه قد يفتح أيضا أبواب انتقام واسع إذا فشل الرهان أو تبدلت الحسابات الأميركية. أما البقاء خارجها، فيحميهم نسبيا من الكلفة المباشرة، لكنه قد يضعف قدرتهم على التأثير في ترتيبات ما بعد الحرب.

وبين هذين الخيارين، يبدو أن المزاج الكردي الغالب يميل، حتى الآن، إلى الحذر: مراقبة التطورات، تجنب التورط المباشر، وعدم تحويل الإقليم إلى منصة حرب، مع إبقاء الباب مفتوحا أمام أي تحول داخلي حقيقي في إيران يمكن أن يتيح للكرد المطالبة بحقوقهم ضمن مشروع سياسي أوسع وأكثر استدامة. ففي حسابات هذه اللحظة، لا تبدو المشكلة في غياب الفرصة، بل في السؤال الأثقل: من سيدفع الثمن، ومن سيحصد النتيجة؟

حول هذه القصة

5 حقائق تشرح لماذا تتحوّل المواجهة مع إيران إلى حرب استنزاف

ما استراتيجية “دفاع الفسيفساء” التي تتحدث عنها إيران؟

ضرب جزيرة خرج.. هل بدأت الحرب تستهدف شريان النفط الإيراني؟

اترك تعليقاً