المحيبس وصواني الخير… حكاية رمضان البغدادي

مارس 3, 2026
109

بغداد، مهما تبدلت، تظل مدينةً تعرف كيف تستدعي روحها كلما أقبل رمضان (صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي)

معتصم المفتي/ كاتب ومؤرخ عراقي

لم يكن رمضان في بغداد زمناً عابراً يُقاس بعدد الأيام، بل كان موسماً للروح تتبدل فيه ملامح المدينة كما تتبدل ملامح القلوب. كان يأتي لا كضيفٍ طارئ، بل كموعدٍ سنوي تعاهده البغداديون جيلاً بعد جيل، فيستعدون له كما يُستعد لعرسٍ كبير، تُفتح له البيوت قبل الأبواب، وتتهيأ له الأرواح قبل الموائد.

في بغداد القديمة، لم يكن الشهر الفضيل مجرد عبادة تؤدى بين الفجر والمغرب، بل كان نظام حياة كامل، تتداخل فيه الشعائر مع العادات، والروحانية مع الاجتماع، والسكينة مع الفرح الشعبي. كان رمضان حالة وجدانية تبدأ إرهاصاتها منذ رجب، وتترسخ في شعبان، حتى تبلغ ذروتها في لياليه العامرة التي تضيء فيها الشناشيل، وتنبض فيها الدروب بحكايات لا تنتهي.

​أولاً: تمهيد الروح والمائدة     

وكانت البيوت البغدادية تعيش حالة من “الاستنفار المنزلي”، حيث تُخزن المؤن، وتُعد العدة، وتُشترى الأساسيات من “الشعرية” و”العدس” و”قمر الدين” (الذي كان يُعد سيد المشروبات الرمضانية)، فضلاً عن مشروب “نومي بصرة” الذي يمنح الأطباق نكهتها الحامضة المميزة. كان هذا الاستعداد يعكس ثقافة “الاكتفاء” و”التكافل”، حيث تتقاسم العوائل في الزقاق الواحد مؤن البيت الواحد.

​ثانياً: مشهدية “الدربونة” البغدادية.. مسرح التفاعلات الاجتماعية   

​كان الزقاق أو “الدربونة” في بغداد القديمة هو الفضاء العام الذي تُصهر فيه الفوارق الطبقية. قبل الغروب، تتحول الأزقة إلى مختبراتٍ للروائح؛ إذ تمتزج رائحة “الكبة الحلبية” المقلية مع بخار “شوربة العدس” المنبعث من البيوت المتلاصقة. في هذا الوقت، كانت “المحيبس” تعلن عن انطلاقها، ليس كلعبةٍ للتسلية فحسب، بل كطقسٍ احتفالي يعزز روابط الجيرة.

​ثالثاً: “القصخون” والمقاهي.. حكايات لا تنتهي     

في عالم ما قبل الراديو والتلفاز، كان “المقهى البغدادي” هو مركز الإشعاع الثقافي والترفيهي. كان “القصخون” (الحكواتي) هو نجم الأمسية، يجلس على كرسيه الخشبي العالي، يشدُّ أنفاس المستمعين وهو يروي ملاحم “عنترة بن شداد” و”حمزة البهلوان”.

​الوظيفة الاجتماعية: لم تكن الحكايات مجرد ترفيه، بل كانت دروساً في الفروسية والقيم والمروءة.

​حلقة الوصل: كان الرجال بعد الإفطار يتجمعون حول أكواب “شاي السموار” المفوّح بالهيل، يتبادلون الأخبار والقصص تحت ضوء القناديل الخافتة، في مشهدٍ يعكس ترابط النسيج الاجتماعي البغدادي.

المحيبس أشهر لعبة شعبية في رمضان ( مواقع التواصل الاجتماعي)
المحيبس أشهر لعبة شعبية في رمضان ( مواقع التواصل الاجتماعي)

​رابعاً: “المحيبس”.. صراع المهارة والفرسان 

​إذا كان رمضان في بغداد قلباً، فلعبة “المحيبس” هي النبض. لم تكن مجرد مباراة بحث عن خاتم، بل كانت تظاهرةً ثقافية كبرى تجمع مناطق بغداد العريقة (الأعظمية، الكرادة، الكاظمية، باب الشيخ).

​الطابع الفني: كانت المباراة تُحلى دائماً بأصوات المطربين الشعبيين والمقامات العراقية التي تضفي هيبةً وجمالاً على الأمسية.
​الروح الرياضية: كانت الخسارة في “المحيبس” تتبعه دائماً مآدب عشاء “الزلابية” التي يخسرها الفريق المهزوم، مما يعزز أواصر الأخوة بدلاً من التنافس العدائي.

​خامساً: السفرة البغدادية.. طعم الذاكرة

​تعد سفرة الإفطار البغدادية في تلك الحقبة وثيقة اجتماعية بحد ذاتها:
​شوربة العدس: هي “ركن” السفرة الثابت، والتي كان يُتبادل “ماعونها” بين الجيران كجزء من طقس “التبادل الغذائي”.
​الطرشي البغدادي: بعنبره ومذاقه اللاذع، الذي كان يميّز كل بيت عن الآخر.
​الحلويات: كانت “الزلابية” و”البقلاوة” تُصنع في أفران المنطقة، وتنتشر رائحتها في الشوارع، لتكون الرفيق الألذ للشاي بعد التراويح.

​سادساً: قيم التراحم.. حين كان البيت بيت الجميع

​أجمل ما في ذاكرة رمضان البغدادي هو غياب مفهوم “الخصوصية الانعزالية”. كانت البيوت مفتوحة، والباب الذي يُغلق بإحكام كان استثناءً. “صواني الخير” كانت تجوب الأزقة، وما يُطبخ في بيتٍ يصل جزء منه للبيت المجاور، مما خلق نظاماً أمنياً واجتماعياً متكاملاً؛ فالفقير في الحي كان محمياً ومطعماً قبل أن يسأل، والجار كان هو الحارس والرفيق.

ختاماً: هل بقي شيء من تلك الأيام؟

 لقد كانت “الشناشيل” المطلة على الأزقة شاهدةً على ليالٍ لا تنام، وعلى ضحكاتٍ لا تعرف الحزن. وبالرغم من تغير الظروف، تظل هذه الذكريات بوصلةً للأجيال الجديدة، تعيد تذكيرهم بأن “روح بغداد” لم تكن يوماً في مبانيها، بل في قلوب أهلها وتفاصيل حياتهم البسيطة المليئة بالحب.

هكذا، كان رمضان البغدادي سيمفونية متكاملة: صوت المؤذن افتتاحها، ورائحة شوربة العدس نغمها الأول، وشاي السموار إيقاعها الليلي، و”المحيبس” ذروتها الاحتفالية، فيما كانت القيم — لا الأبنية — هي التي تمنح المدينة معناها.

ربما تغيّرت المشاهد، لكن الروح — كما يقول المؤرخون — لا تموت ما دامت الذاكرة حيّة. وبغداد، مهما تبدلت، تظل مدينةً تعرف كيف تستدعي روحها كلما أقبل رمضان.

المصدر: أوج 24

اترك تعليقاً