بغداد المدورة.. قصة العاصمة العباسية التي ابتلعها الزمن
مدينة السلام نائمة تنتظر من يعيد قراءة تاريخها (أوج 24)
معتصم المفتي/ كاتب ومؤرخ عراقي
في قلب بغداد الحديثة، تختبئ تحت الأرض واحدة من أعظم المدن التي شُيّدت في التاريخ الإسلامي: بغداد المدورة، أو ما عُرفت آنذاك باسم مدينة السلام، التي شرع الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور في بنائها عام 145هـ / 762م.
لم تكن هذه المدينة مجرد عاصمة سياسية للخلافة العباسية، بل كانت تجربة هندسية وعمرانية غير مسبوقة في العالم آنذاك. مدينة صُممت بدقة هندسية وعسكرية صارمة، يتوسطها قصر الذهب وجامع المنصور، وتحيط بها الدواوين والأسواق والأسوار، تليها الأحياء السكنية التي تنتهي بسورين عظيمين بقطر يقدر بنحو 2600 متر.
واليوم، ومع تطور أدوات المسح الجغرافي وصور الأقمار الصناعية، بات بالإمكان إعادة رسم خريطة تلك المدينة التي اندثرت، وربط معالمها التاريخية بجغرافية بغداد المعاصرة. هذا ما يحاول هذا التحليل العلمي والجغرافي أن يقدمه، من خلال الجمع بين النصوص التاريخية الكلاسيكية – كما وردت عند الخطيب البغدادي واليعقوبي – وبين التحليل الطبوغرافي الحديث.

في قلب الدائرة تماماً ارتفع قصر الذهب مقر الخليفة، إلى جانب جامع المنصور، محاطين بساحات فسيحة ثم بدواوين الدولة ومؤسسات الحكم. وبعدها تمتد الأحياء السكنية حتى تصل إلى سورين دفاعيين هائلين، يبلغ قطر المدينة قرابة 2600 متر.
كان هذا التصميم يعكس رؤية سياسية واضحة:
السلطة في المركز… والدولة تدور حولها.
أين تقع بغداد المدورة اليوم؟
بفضل مقارنة الخرائط التاريخية مع صور الأقمار الصناعية الحديثة، يمكن إسقاط معالم المدينة القديمة على جغرافية بغداد الحالية.
1. مركز المدينة – قصر الذهب
تشير القياسات إلى أن مركز المدينة يقع اليوم في المنطقة المحصورة بين تقاطع مطار المثنى والطريق المؤدي إلى جسر الأئمة باتجاه الأعظمية، وتحديداً في الامتداد القريب من حي علي الصالح.
2. باب خراسان – البوابة الشرقية
مع تغيّر مجرى نهر دجلة وانحرافه غرباً عبر القرون، أصبح موقع الباب اليوم أقرب إلى مجرى النهر نفسه، بمحاذاة جسر الأعظمية.
3. باب الشام – البوابة الشمالية الغربية
يقع موقعه المرجح في المنطقة القريبة من ساحة عدن حالياً، قرب مطحنة الجلبي.
4. باب الكوفة – البوابة الجنوبية الغربية
تشير الدراسات إلى أنه كان في منطقة الطوبجي، بالقرب من مديرية المرور العامة اليوم.
5. باب البصرة – البوابة الجنوبية الشرقية
يرجح أن موقعه التاريخي يقع عند محطة قطار الشالجية الحالية.
وهكذا، فإن أجزاء واسعة من بغداد الحديثة تقوم فعلياً فوق جغرافية المدينة العباسية الأولى.

لماذا اختفت المدينة المدورة؟
اختفاء مدينة بهذه العظمة لم يكن لغزاً تاريخياً، بل نتيجة تفاعل عدة عوامل طبيعية وسياسية.
الفيضانات… العدو الصامت
كان موقع المدينة على جانب الكرخ يجعلها عرضة لفيضانات نهر دجلة ونهر عيسى المتفرع من الفرات.
وقد أدت الفيضانات المتكررة إلى إضعاف الأسوار المبنية من الطوب اللبن، فتآكلت البنية العمرانية تدريجياً.
فتنة الأمين والمأمون
تعرضت المدينة لواحدة من أعنف الضربات خلال فتنة الأمين والمأمون (197–198هـ)، حين حاصرت قوات المأمون بغداد واستخدمت المنجنيق لقصف الأسوار والقصور.
كانت تلك اللحظة بداية الانكسار العمراني للمدينة، إذ تحولت أجزاء واسعة منها إلى أنقاض لم تُرمم بالكامل لاحقاً.
انتقال العاصمة
جاءت الضربة الأخيرة عندما قرر الخليفة المعتصم بالله عام 221هـ / 836م نقل العاصمة إلى سامراء.
وعندما عادت الخلافة لاحقاً إلى بغداد، لم تعد المدينة المدورة صالحة لتكون مركز الحكم، فانتقل الخلفاء إلى الجانب الشرقي من دجلة (الرصافة)، حيث بُنيت دار الخلافة وقصور التاج والثريا والفردوس، التي شكلت نواة بغداد اللاحقة.
مدينة اختفت… لكن جغرافيتها باقية
إن اختفاء معالم مدينة المنصور ليس لغزاً أثرياً بقدر ما هو نتيجة طبيعية لتاريخ طويل من الفيضانات والصراعات السياسية وتغير مجرى الأنهار.
فمواد البناء الأساسية – الآجر واللبن – لم تكن قادرة على مقاومة الرطوبة والفيضانات لقرون طويلة، كما أن زحف نهر دجلة ابتلع أجزاء من سورها الشرقي.
ومع ذلك، فإن الباحثين اليوم يرون في مناطق مثل الشالجية وعلي الصالح الامتداد الجغرافي لتلك المدينة التي كانت يوماً عاصمة أعظم إمبراطورية في عصرها.
فهناك، تحت طبقات الإسفلت والخرسانة في بغداد الحديثة، ما تزال آثار مدينة السلام نائمة… تنتظر من يعيد قراءة تاريخها.