ترام بغداد.. من إرث مدحت باشا إلى إحياء شارع الرشيد
ترام الرشيد "آلة زمن" تعيد بغداد إلى خارطة المدن التراثية العالمية (نبض بغداد)
معتصم المفتي/ كاتب ومؤرخ عراقي
لا يمثل مشروع “الترام” الذي أطلق مؤخراً في شارع الرشيد في قلب بغداد مجرد وسيلة نقل لتخفيف الازدحام، بل هو استنطاق لذاكرة الجدران واستعادة للهوية البصرية التي فقدتها المدينة عبر عقود.
تبرز إشكالية البحث اليوم في محاولة ردم الفجوة بين غياب وسائل النقل التراثية وتدهور المشهد السياحي، باحثين في جدوى إعادة “الترام” كجسر يربط بين التاريخ والحداثة، وموثقين للتحول الدرامي من النقل الحيواني “الخيل” إلى عصر الكهرباء، في خطوة تقودها أمانة بغداد بدعم من المؤسسات المصرفية للحفاظ على إرث “قلب الرصافة”.

جذور الحكاية: “گاري” مدحت باشا والنهضة الأولى
تعود الحكاية إلى عام 1869، حين قرر الوالي المصلح مدحت باشا إدخال “الگاري” كأول وسيلة نقل عام منظمة على سكة حديد في العراق. كان المسار يربط الكرخ بمدينة الكاظمية مراراً بـ “بستان طعمة”، التي لم تكن مجرد محطة عابرة، بل مركزاً لوجستياً لتبديل الخيول بنظام (الـ Relay).
لم يكن “الگاري” مجرد عربة خشبية، بل كان صانعاً للثقافة الشعبية؛ فعلى صدى حوافر خيله وأجرة الـ “6 فلوس”، نُسجت قصائد الملا عبود الكرخي، وتشكلت أولى ملامح الربط الاجتماعي بين المراكز التجارية والأماكن الدينية في بغداد.

من بغداد إلى إسطنبول: الدروس المستفادة
لا تقتصر تجربة الترام على بغداد؛ فقد شهدت النجف الأشرف تجربة مماثلة (ترام النجف – الكوفة) المعروف بـ “العربايين”، والذي أدارته شركات مساهمة وطنية في مثال مبكر للتمويل الذاتي.
واليوم، تبرز تجربة “ترام إسطنبول الأحمر” في شارع الاستقلال كنموذج دولي ملهم. حيث نجحت تركيا في تحويل شارع تجاري متهالك إلى مزار سياحي عالمي عبر “الترام التراثي”. وهو ذات الطموح الذي يسعى مشروع 2026 لتحقيقه في شارع الرشيد، ليتحول من ممر للمركبات المتهالكة إلى أيقونة سياحية تعيد للشارع هيبته.

مزيج الأصالة والتقنية
يمتد المسار المقترح من ساحة الرصافي وصولاً إلى منطقة الميدان بمحاذاة شارع المتنبي وسط بغداد، وهو مسار مدروس بعناية ليحاذي الأبنية التراثية ذات الطابع المعماري الفريد.
-
الشراكة التنموية: يبرز المشروع كنموذج للتعاون بين “رابطة المصارف العراقية” والقطاع الحكومي، في استثمار يركز على العائد الثقافي والجمالي لا الربحي الصرف.
-
التصميم: سيحمل الترام مظهراً فلكلورياً باللون الأحمر الكلاسيكي والتصاميم الخشبية، لكنه سيعمل بتقنيات دفع حديثة تضمن سلامة البيئة وسلاسة الحركة وسط الزخم البغدادي.
النوستالجيا كمحرك اقتصادي ونفسي
إن إعادة تشغيل الترام تلامس البعد النفسي للمواطن البغدادي، فهي تثير “الشجن النبيل” وتعزز الانتماء الوطني عبر ربط الجيل الجديد بذاكرة الآباء. وبالتوازي مع هذا التأثير العاطفي، يتوقع الخبراء أن يؤدي المشروع إلى:
-
تنشيط الاقتصاد المحلي في أسواق الشورجة والميدان.
-
رفع القيمة العقارية والجمالية للمباني التاريخية المحيطة.
-
تحويل شارع الرشيد إلى منطقة “صديقة للمشاة” والسياح.
تكامل المشهد هو المفتاح
نجاح مشروع “ترام الرشيد” لا يتوقف عند وضع السكة الحديدية فحسب، بل يكمن في “تكامل المشهد البصري”. التوصية الأساسية هنا هي ضرورة تزامن إطلاق الترام مع حملة شاملة لترميم الواجهات التراثية والأعمدة السلجوقية الميزة للشارع.
ترام 2026 ليس مجرد وسيلة نقل، بل هو “آلة زمن” تعيد بغداد إلى خارطة المدن التراثية العالمية.