سوق الثلاثاء.. حكاية السوق البغدادي الذي شهد ازدهار العباسيين

مارس 12, 2026
233

سوق الثلاثاء ما تزال حية في ذاكرة بغداد بوصفها جزءاً من التراث الحضاري للمدينة ( صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي)

* معتصم المفتي/ كاتب ومؤرخ عراقي

تقع سوق الثلاثاء في المنطقة الواقعة جنوب قطيعة المخرم. وقد ذكر ياقوت الحموي أن هذه السوق سُمّيت بذلك لأنه كان يُقام فيها سوق لأهل كلواذا وأهل بغداد مرة كل شهر في يوم الثلاثاء، وذلك قبل أن يُعَمِّر المنصور العباسي مدينة بغداد. وقد بقي هذا الموضع محتفظاً باسمه الأصلي حتى بعد تشييد مدينة بغداد الشرقية.

أما تفسير “سوق الثلاثاء” لغوياً، فإن السوق جمعها أسواق، وهي موضع البضائع والأمتعة (وتؤنث وتذكر)، وسُمّيت بذلك لأن التجارة تُجلب إليها وتُساق المبيعات نحوها. أما الثلاثاء فهو أحد أيام الأسبوع. وقد أصبحت سوق الثلاثاء مركزاً تجارياً نشطاً امتد لمسافة كبيرة، تبدأ من الطرف الشرقي للجسر الأسفل، ممتدةً مع الشارع الأعظم الصاعد إلى باب الطاق.

وقد وصف الرحالة ابن بطوطة الجهة الشرقية من بغداد قائلاً:

“إنها حافلة بالأسواق، عظيمة الترتيب، وأعظم أسواقها سوق يُعرف بسوق الثلاثاء، كل صناعة فيها على حدة، وفي وسط هذه السوق تقع المدرسة النظامية العجيبة التي صارت مضرب الأمثال بحسنها، وفي آخرها المدرسة المستنصرية.”

المفتي: كانت في سوق الثلاثاء كنيسة للنصارى عُرفت بـ بيعة سوق الثلاثاء
المفتي: كانت في سوق الثلاثاء كنيسة للنصارى عُرفت بـ بيعة سوق الثلاثاء

ومن وصف ابن بطوطة يستدل المؤرخون على أن موقع السوق كان يمتد حتى المدرسة مباشرة.

معالم السوق 

ومن معالم السوق المعروفة: المدرسة المستنصرية، والمدرسة النظامية، وقصر الخلافة المسمى بـ قصر الفردوس، ونهر المعلى، ورباط شيخ الشيوخ الذي يقع قبالة المدرسة النظامية. علماً أن هذه المدرسة كانت تقع في آخر سوق الثلاثاء في محلة الحظائر القديمة، في موضع سوق الكمرك وخان جغان الذي حُوِّل لاحقاً إلى أسواق، وذلك قبل إنشاء سوق المستنصرية واتصاله به من ناحية الشمال.

وكان يوجد في سوق الثلاثاء مسجد قائم يقرأ فيه الشيخ أبو عبد الله المقدسي الحنفي، وكذلك القاضي المظفر بن المبارك الذي تولّى الحسبة في بغداد والقضاء في ربع الثلاثاء، وكانت له حلقة علم في جامع القصر.

كما كانت في سوق الثلاثاء كنيسة للنصارى عُرفت بـ بيعة سوق الثلاثاء، وذُكر أن ابن عكاشة الجرائحي نذر على نفسه أن يتصدق في بيعة سوق الثلاثاء بربع ما يحصل عليه. وعند سقوط بغداد على يد هولاكو سنة 656هـ – 1258م، آوى الجاثليق مكيخا المسيحيين في كنيسة سوق الثلاثاء وأبقاهم فيها، فلم يُصب أحدٌ منهم بأذى.

سوق الثلاثاء كانت له أبواب تُغلق عند انتهاء حركة البيع والشراء (صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي)
سوق الثلاثاء كانت له أبواب تُغلق عند انتهاء حركة البيع والشراء (صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي)

ثلاثة جسور

وكان في بغداد ثلاثة جسور، أحدها محاذٍ لسوق الثلاثاء، وكانت السوق تستقي مياهها من نهر المعلى الذي يأتي من المقسم إلى باب أبرز، ويمر بين الدور إلى باب سوق الثلاثاء، ثم يدخل قصر الخلافة المسمى بـ الفردوس.

أما الأسواق التي كانت تشكّل جزءاً من سوق الثلاثاء في العصور المتقدمة، ولا سيما في العصر العباسي، فهي:

💧 سوق البزازين: وهو سوق قديم عُدَّ من أسواق محلة سوق الثلاثاء الرئيسة.

💧 سوق الحيدرخانة: وهو سوق معقود قديم كان يتبع المحلة نفسها.

💧 سوق السلطان (أو السوق الطويل): ويُعد السوق الرئيس لمحلة سوق الثلاثاء، ويبدأ من سوق الميدان وما يتصل به وصولاً إلى باب بدر (أحد أبواب دار الخلافة العباسية)، وموقعه حالياً جامع مرجان.

💧 سوق باب الآغا: إضافة إلى أسواق أخرى مثل سوق الصفافير، وسوق الجوخجية، وسوق دانيال، وسوق الزنجيل (الزنجير).

💧 سوق الريحانين: المعروف حالياً بـ سوق الشورجة، ويقع في آخر سوق الثلاثاء. ويُعتقد أن مدخل الشورجة كان ميداناً لتقاطع سوق الريحانين وشارع سوق الثلاثاء في الفترة السلجوقية من الحكم العباسي.

وكان لسوق الثلاثاء أبواب تُغلق عند انتهاء حركة البيع والشراء. أما عن وجود محلة مستقلة باسم سوق الثلاثاء، فقد اختلف المؤرخون في ذلك. ويُلاحظ أن سوق الثلاثاء كان سوقاً تجارياً كبيراً ومنظماً، وكانت تسمية الأسواق فيه وتخصصها تعتمد على نوع الحرفة أو البضاعة المعروضة.

أما اليوم، فلم يبقَ من السوق سوى اسمها بعد أن تغيّرت معالمها وتسمياتها، لكنها ما تزال حية في ذاكرة بغداد بوصفها جزءاً من التراث الحضاري للمدينة.

المصدر: أوج 24

حول هذه القصة

بغداد المدورة.. قصة العاصمة العباسية التي ابتلعها الزمن

بغداد المدورة… حين رسم المنصور عاصمته على هيئة حلم دائري

المحيبس وصواني الخير… حكاية رمضان البغدادي

اترك تعليقاً