في ذكرى رحيله.. هل كان عبد الحليم حافظ يدّعي المرض حقا؟

مارس 29, 2026
95

حليم اثناء لحظة إغماء في إحدى حفلاته (منصات التواصل الاجتماعي)

كريم حسين / كاتب وإعلامي عراقي    

هل يُعقل أن تكتب الصحف أنني لست مريضًا… وأنني أدّعي المرض لمجرد الدعاية؟” لم تكن مجرد شكوى عابرة، بل صرخة موجعة خرجت من قلب عبد الحليم حافظ، وهو يصارع أوجاعه على سرير المرض في مستشفى “كينجز كوليدج” بلندن، ربيع عام 1977.

كان حليم يواجه في تلك اللحظات عدوين: نزيف كبده القاتل، ونزيف كرامته ، بعد أن شككت أقلام في حقيقة معاناته.

وتحت وطأة التشكيك، اضطر العندليب للاستسلام لإلحاح صديقه الإعلامي محمد تبارك، وأرسل له صوراً فوتوغرافية من داخل غرفته بالمستشفى لينشرها في صحيفة “أخبار اليوم”؛ لم تكن تلك الصور للتباهي، بل كانت “شهادة إثبات” لجمهوره بأنه فعلاً يصارع الموت.

وكانت تلك واحدة من آخر مكالمات حليم الهاتفية قبل دخوله غرفة العمليات لإجراء الجراحة التي وافق عليها بعد طول اعتراض، ليغادرها ويفارق الحياة مساء يوم الأربعاء 30 مارس/آذار 1977.

لم يكن الوجع مجرد شائعة، بل كان سجلاً طبياً مرعباً (صحيفة النجوم المصرية)
لم يكن الوجع مجرد شائعة، بل كان سجلاً طبياً مرعباً (صحيفة النجوم المصرية)

رحلة الألم

بدأت قصة حليم مع المرض منذ طفولته حين حين تسللت “البلهارسيا” إلى جسد الطفل اليتيم أثناء سباحته مع الأطفال الآخرين في الترعة في قرية الحلوات بمدينة الزقازيق في محافظة الشرقية المصرية.

ومع بداية شهرته، تعرض الفنان عبد الحليم حافظ لأول نزيف حاد (خروج دم من فمه) باغته أثناء حضوره مأدبة إفطار في شهر رمضان عام 1956 مع عدد من أصدقائه، مما كشف عن إصابته بتليف في الكبد نتيجة مرض البلهارسيا، ونُقل إلى المستشفى حيث كانت هذه الواقعة بداية تليف كبدي سيلازمه كظله طوال مسيرته.   

خاض حليم معركة طبية شرسة قادها نخبة من أطباء العالم، من بينهم: من مصر: الدكاترة ياسين عبد الغفار، زكي سويدان، وهشام عيسى. من أوروبا: الدكتور تانر، والبروفيسور ويليامز، والدكتورة شيلا شارلوك.

طاف العندليب” بمستشفيات العالم، من “ابن سينا” بالرباط إلى “سالبيتريير” بباريس، وصولاً إلى محطته الأخيرة في لندن، ترافقه سكرتيرته المخلصة سهير محمد علي، التي عملت معه منذ عام 1972، وظلت إلى جانبه خلال إقاماته في المستشفيات.

أرقام مرعبة

لم يكن الوجع مجرد شائعة، بل كان سجلاً طبياً مرعباً:

16 عملية جراحية معقدة.

25 رحلة علاجية مكوكية بين لندن وباريس والولايات المتحدة.

10 سنوات كاملة من الحقن الوريدي اليومي لمنع النزيف.

الإغماء على المسرح… تمثيل أم معاناة؟

لحظات الإغماء التي شهدها الجمهور في بعض حفلاته تحوّلت إلى مادة للجدل.

لكن التفسير الطبي كان واضحًا: انخفاض حاد في ضغط الدم أو نزيف داخلي مفاجئ.

لم يكن المشهد جزءًا من عرض… بل انعكاسًا لجسد ينهار تحت الأضواء.

ومع ذلك، استمر في الغناء.

ليس لأن الألم غاب، بل لأنه تأجّل.

النهاية التراجيدية

في 30 مارس/آذار 1977، توفي عبد الحليم حافظ في لندن عن عمر 47 عامًا.

لكن حتى وفاته لم تخلُ من الجدل.

وبحسب بعض المقربين منه، كانت وفاته نتيجة لنقل دم ملوث تسبب في إصابته بالتهاب كبدي فيروسي (فيروس سي)، وهو ما لم يكن له علاج فعّال في ذلك الوقت، إلى جانب معاناته المزمنة من تليف الكبد الناتج عن البلهارسيا.

وتشير روايات أخرى إلى أن المنظار الطبي المستخدم في فحصه سبب له خدشًا في الأمعاء أدى إلى نزيف داخلي، حاول الأطباء وقفه عن طريق إدخال بالون طبي، إلا أنه لم يتمكن من بلعه وتوفي قبل أن يتمكنوا من السيطرة على النزيف، ليرحل تاركاً خلفه سؤالاً لا يزال يتردد: كيف استطاع هذا الجسد الهش أن يحمل كل هذا الشجن ويطرب الملايين؟

ورغم اختلاف التفاصيل، يبقى الثابت: جسد أنهكته سنوات من المرض… حتى لحظته الأخيرة.

 

اتهام لم يصمد أمام الوقائع

لم يكن اتهام عبد الحليم حافظ بالمتاجرة بمرضه سوى انعكاس لنجاحه الطاغي، وربما لشكٍّ يلاحق كل نجم كبير. لكن الوقائع الطبية، ومسار حياته، وسنوات معاناته الموثقة—ترسم صورة مختلفة تمامًا.

لم يكن يطلب شفقة… بل وقتًا.  ولم يكن يستعرض الألم… بل يتجاوزه.

بعد 49 عامًا على رحيله، يبقى السؤال قائمًا—لكن الإجابة تبدو أوضح من أي وقت مضى:

لم يكن يتاجر بمرضه… بل كان يقاومه.

المصدر: أوج 24

حول هذه القصة

ما قصة الفنانة البريطانية التي قيل إن عبد الحليم حافظ أحبها؟

اترك تعليقاً