لماذا انقلب ترامب على وعوده وأشعل الحرب مع إيران؟
أحد أبرز العوامل المؤثرة في القرار كان طبيعة الدائرة المحيطة بترامب (البيت الأبيض)
جبار جعفر
حين عاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض لولاية ثانية، رفع مجددًا شعاره الشهير “لنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى”، متعهدًا بإنهاء الحروب المفتوحة وإعادة توجيه السياسة الأميركية نحو الداخل.
لكن مسار الأحداث سرعان ما اتخذ منحى مغايرًا؛ إذ وجدت واشنطن نفسها في مواجهة عسكرية مباشرة مع إيران، في خطوة فاجأت الداخل الأميركي وأربكت المجتمع الدولي. فما الذي دفع ترامب إلى هذا التحول الحاد؟ ولماذا تخلّى عن أحد أبرز وعوده الانتخابية؟
صدمة القرار… من التفاوض إلى القتال
حتى الأيام التي سبقت اندلاع الحرب، كانت المؤشرات تميل نحو انفراجة دبلوماسية. فقد أكد وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي، الوسيط في المفاوضات النووية، أن اتفاقًا بات قريبًا. غير أن ترامب فاجأ الجميع بإعلان بدء عمليات عسكرية واسعة أواخر فبراير/ شباط، مبررًا ذلك بضرورة “القضاء على التهديدات النووية والصاروخية الإيرانية”. هذا التحول المفاجئ أثار انتقادات واسعة، واعتُبر خرقًا واضحًا لمسار تفاوضي كان قاب قوسين أو أدنى من النجاح.
ضغوط داخلية… سياسة الهروب إلى الخارج
تشير جملة من العوامل الداخلية إلى أن قرار الحرب لم يكن منفصلًا عن أزمات متراكمة داخل الولايات المتحدة. فقد واجه ترامب ضغوطًا متزايدة على خلفية تسريبات مرتبطة بملفات جيفري إبستين، إلى جانب تعثر سياساته الاقتصادية، خصوصًا ما يتعلق برفع الرسوم الجمركية، التي أدت إلى ارتفاع الأسعار وزيادة التضخم. كما أثارت سياسات الهجرة المتشددة، واستخدام القوة في التعامل مع المهاجرين، موجة غضب شعبي ومظاهرات في عدة ولايات.
في هذا السياق، يرى مراقبون أن التصعيد الخارجي قد يكون محاولة لإعادة توجيه الرأي العام وصرف الأنظار عن الأزمات الداخلية.
فريق ضيق الأفق… حين يتقدم الولاء على الخبرة
أحد أبرز العوامل المؤثرة في القرار كان طبيعة الدائرة المحيطة بترامب. فقد أحاط نفسه بمستشارين يتميزون بولاء مطلق، لكنهم يفتقرون في كثير من الأحيان إلى الخبرة الجيوسياسية العميقة. شخصيات مثل ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر قدّمت تقارير تشكك في جدية إيران بالتفاوض، ما دفع ترامب إلى اعتبار المسار الدبلوماسي “عقيمًا”.
كما لعب وزير الدفاع بيت هيغسيث، المعروف بخلفيته الإعلامية والخبرة العسكرية الاستراتيجية المتواضعة، دورًا في تضخيم التهديد الإيراني، بينما تبنّى وزير الخارجية ماركو روبيو موقفًا متشددًا يرى أن المواجهة كانت “حتمية”.
ولا يمكن إغفال تأثير السيناتور ليندسي غراهام، الداعي الدائم للتدخل العسكري، إضافة إلى الضغط الإسرائيلي المستمر بقيادة بنيامين نتنياهو، الذي لطالما دفع نحو ضرب إيران.
أخطاء استراتيجية… غياب الرؤية والتخطيط
لم يقتصر الأمر على دوافع القرار، بل شابت تنفيذه سلسلة من الأخطاء الاستراتيجية. فقد طالب ترامب إيران بـ”الاستسلام غير المشروط”، في خطاب يعكس سوء تقدير لطبيعة الثقافة السياسية الإيرانية التي تميل إلى الصمود ورفض الإملاءات.
كما تجاهل الحصول على تفويض من الكونغرس، ولم يسعَ لبناء توافق داخلي أو دولي قبل بدء العمليات. ولم يتم التشاور مع الحلفاء الأوروبيين، ولا مع الأمم المتحدة، ما أضعف الغطاء السياسي للحرب.
الأكثر خطورة كان تضارب المبررات؛ إذ تنقلت الإدارة بين الحديث عن “تهديد وشيك” و”دفاع استباقي” و”نصر شامل”، في حين أقر مسؤولون في وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) بعدم وجود أدلة استخباراتية على هجوم وشيك.
مأزق مفتوح… حرب بلا أفق واضح
بعد أسابيع من اندلاع المواجهة، يجد ترامب نفسه أمام خيارين كلاهما مكلف. فمواصلة الحرب تعني استنزافًا عسكريًا واقتصاديًا في ظل معارضة داخلية وغياب دعم الحلفاء، بينما الانسحاب يترك مضيق هرمز – الذي يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية – تحت نفوذ إيراني متزايد، مع احتمال تحول الصراع إلى حرب غير مباشرة عبر الهجمات بالوكالة.
خلاصة المشهد
ما بين ضغوط الداخل وتأثير المستشارين، وسوء التقدير الاستراتيجي، تحوّل وعد إنهاء الحروب إلى قرار بإشعال واحدة من أخطر المواجهات في الشرق الأوسط. وفي ظل غياب رؤية واضحة للنهاية، تبدو المنطقة اليوم وكأنها تقف على حافة بركان، قد تمتد حممه إلى ما هو أبعد من حدودها، لتطال حتى الولايات المتحدة نفسها.
المصادر / نيويورك تايمز- واشنطن بوست- بروكنغز- بي بي أس- الغارديان