لماذا تحمي واشنطن إسرائيل أكثر من دول الخليج؟

مارس 5, 2026
4

التعاون العسكري بين واشنطن وتل أبيب يشمل تطوير واختبار تقنيات متقدمة (صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي)

بقلم: جبار جعفر

في خضم التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط، عاد سؤال قديم ليطفو مجددًا على السطح: لماذا تحظى إسرائيل بمستوى استثنائي من الحماية والدعم العسكري الأميركي، بينما لا يتمتع حلفاء واشنطن في الخليج بالضمانات نفسها؟

هذا السؤال برز بوضوح خلال جلسة استجواب في مجلس الشيوخ الأميركي، عندما سألت السيناتور إليزابيث وارين مسؤول السياسة في وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) إلبريدج كولبي عن الضربات العسكرية التي شنتها إدارة الرئيس دونالد ترامب ضد إيران. فقد أصرّ كولبي بدايةً على أن تلك الضربات لا تُعد “تدخلًا عسكريًا”، لكنه أقرّ لاحقًا، بعد إلحاح الأسئلة، بأن حماية إسرائيل كانت أحد أهداف العملية.

هذا الاعتراف يعيد تسليط الضوء على معادلة حساسة في سياسة الولايات المتحدة بالشرق الأوسط:

 

إسرائيل تحظى بمظلة أمنية شبه ثابتة، بينما تعتمد دول الخليج – رغم تحالفها الوثيق مع واشنطن – على ترتيبات أمنية أقل رسمية.

 

فما الأسباب التي تجعل العلاقة الأميركية مع إسرائيل مختلفة جوهريًا عن شراكاتها مع دول الخليج مثل السعودية وقطر والإمارات؟

أولًا: سياسة “التفوق العسكري النوعي”

تلتزم الولايات المتحدة، بموجب القانون الأمريكي، بالحفاظ على ما يعرف بـ التفوق العسكري النوعي لإسرائيل (QME).

ويعني ذلك أن تضمن واشنطن امتلاك إسرائيل قدرات عسكرية متقدمة تتفوق على أي تحالف محتمل من خصومها في المنطقة.

ولهذا السبب، حتى عندما تبيع الولايات المتحدة أسلحة متطورة لدول الخليج، غالبًا ما تخضع هذه الصفقات لمراجعات دقيقة، أو يتم تعويضها بتزويد إسرائيل بتكنولوجيا أكثر تقدمًا لضمان استمرار تفوقها العسكري.

ثانيًا: المساعدات العسكرية مقابل المشتريات

تختلف طبيعة العلاقة العسكرية بين واشنطن وإسرائيل عن تلك التي تربطها بدول الخليج.

إسرائيل

تحصل على نحو 3.8 مليار دولار سنويًا كمساعدات عسكرية أميركية.

تُصرف معظم هذه الأموال داخل الولايات المتحدة لشراء أنظمة دفاعية أميركية، ما يدعم مئات الآلاف من الوظائف في قطاع الصناعات الدفاعية.

دول الخليج

تعتمد في الغالب على شراء الأسلحة عبر برنامج المبيعات العسكرية الخارجية (FMS).

ثالثًا: “صانع أمن” مقابل “طالب أمن”

في الرؤية الاستراتيجية الأميركية، غالبًا ما يُنظر إلى إسرائيل باعتبارها حليفًا قادرًا على إنتاج الأمن بنفسه.

فهي ذات قدرات عسكرية متقدمة وخبرة قتالية عالية، وتستطيع خوض الحروب دون الحاجة إلى وجود قوات أميركية على الأرض.

وقد وصف مسؤولون أميركيون إسرائيل مرارًا بأنها “أكبر حاملة طائرات أميركية في العالم لا يمكن إغراقها”، لأنها توفر ردعًا إقليميًا دون تعريض الجنود الأميركيين لخطر القتال المباشر.

في المقابل، يُنظر إلى دول الخليج غالبًا باعتبارها دولًا تعتمد بدرجة أكبر على المظلة الأمنية الأميركية، سواء من خلال القواعد العسكرية أو الانتشار العسكري الأميركي في المنطقة.

رابعًا: التعاون الاستخباراتي والتكنولوجي

تمثل إسرائيل شريكًا استخباراتيًا مهمًا للولايات المتحدة، خصوصًا في ما يتعلق بمتابعة نشاطات إيران وحلفائها الإقليميين.

كما أن التعاون العسكري بين البلدين يشمل تطوير واختبار تقنيات متقدمة، مثل:

أجزاء من نظام القبة الحديدية

تقنيات الطائرات المسيّرة

أنظمة دفاعية وتجريب ميداني للتقنيات العسكرية

وقد تم دمج بعض هذه التقنيات لاحقًا في الترسانة العسكرية الأمريكية.

خامسًا: تحولات تدريجية في العلاقة مع الخليج

رغم مركزية إسرائيل في الاستراتيجية الأميركية، بدأت واشنطن خلال السنوات الأخيرة تعزيز علاقاتها الأمنية رسميًا مع حلفائها الخليجيين.

ومن أبرز هذه الخطوات:

تصنيف قطر عام 2022 كـ حليف رئيسي للولايات المتحدة من خارج حلف شمال الأطلسي ( الناتو).

مناقشات حول معاهدة دفاع ثنائية محتملة مع السعودية، قد تمنح المملكة ضمانات أمنية أقرب إلى تلك التي تتمتع بها دول مثل اليابان أو أعضاء حلف شمال الأطلسي.

الخلاصة

تفسر العوامل التاريخية والقانونية والاستراتيجية سبب تمتع إسرائيل بمكانة استثنائية في السياسة الأميركية في الشرق الأوسط. غير أن التطورات الأخيرة، خصوصًا التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، أعادت طرح أسئلة جوهرية لدى دول المنطقة.

فالدول الخليجية – التي تستضيف قواعد أميركية وتنفق مليارات الدولارات على صفقات السلاح والاستثمارات في الولايات المتحدة – ترى أن استقرار المنطقة يتطلب مقاربة أكثر تشاورًا وتوازنًا، لا تقتصر على التنسيق مع إسرائيل وحدها.

ومع تصاعد المخاطر الأمنية والاقتصادية في المنطقة، يزداد إلحاح هذا النقاش:

هل ستبقى المظلة الأمنية الأميركية متمركزة حول إسرائيل فقط، أم أن معادلة الأمن الإقليمي تتجه نحو صيغة أكثر شمولًا لدول الخليج؟

اترك تعليقاً