توزيع مراكز القرار
ترتكز الحجة الإيرانية على ما يُعرف بـ**“استراتيجية دفاع الفسيفساء”**، وهي عقيدة عسكرية بُنيت على توزيع مراكز القرار والقدرات والورش والمخازن على المحافظات، بحيث لا يؤدي استهداف القيادة المركزية إلى شلّ الدولة أو الجيش دفعة واحدة. هذه المقاربة تطورت بعد دروس طهران من سقوط نظام صدام حسين، حين رأت أن المركزية الشديدة جعلت الدولة العراقية عرضة للانهيار السريع بعد ضرب القمة السياسية والعسكرية. لذلك صممت إيران نموذجًا أكثر تشتتًا ومرونة، يمنح كل محافظة وقادتها المحليين قدرة أكبر على اتخاذ القرار والاستمرار في القتال.
وتشير المادة إلى أن العقوبات الطويلة دفعت إيران أيضًا نحو الاكتفاء الدفاعي النسبي، ليس فقط عبر تخزين الأسلحة، بل عبر توزيع الإنتاج نفسه، وخصوصًا في ما يتعلق بالطائرات المسيّرة وبعض مكونات التسليح، على ورش ومرافق متفرقة داخل البلاد. هذا يعني أن الضربات الكبرى قد تصيب مراكز حساسة، لكنها لا تضمن القضاء الكامل والسريع على القدرة العسكرية الإيرانية. ومن هنا، يمكن فهم كيف استمرت طهران في تنفيذ هجمات انتقامية حتى بعد مقتل قيادات بارزة في 28 فبراير/شباط.
لكن هذا لا يعني أن الضربات بلا أثر. فالمعطيات التي استندت إليها التقارير تُظهر تراجعًا حادًا في وتيرة إطلاق الصواريخ الباليستية الإيرانية. ففي 5 مارس/آذار، قال مسؤولون أميركيون إن عدد الصواريخ الباليستية التي تطلقها إيران انخفض بنسبة 86% مقارنة بالأيام الأولى من الحرب، كما تحدثت تقارير أميركية لاحقة عن تراجع أكبر في بعض المؤشرات. ويربط محللون هذا الانخفاض باستهداف منصات الإطلاق المتحركة ومرافق التخزين، فضلًا عن التفوق العملياتي الأميركي-الإسرائيلي في الجو والاستطلاع. باختصار: إيران لم تُشلّ بالكامل، لكنها تلقت ضربة واضحة في قدرتها على استخدام ترسانتها بنفس الكثافة الأولى.
التحدي الحقيقي
وترى المحللة في موقع يورو نيوز إيستيل نيلسون-جوليان أن نقطة مهمة تبرز هنا: امتلاك الصواريخ ليس كافيًا إذا تراجعت القدرة على إطلاقها. فالتحدي الحقيقي لا يتعلق فقط بعدد المقذوفات المخزنة، بل بعدد المنصات العاملة، ونجاة البنية التحتية المحمية، واستمرار سلاسل الإمداد. وتقول التقديرات الإسرائيلية إن نحو 60% من منصات الإطلاق دُمّرت حتى 6 مارس/آذار، فيما حذر مسؤولون في وزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) من أن إيران ربما لا تزال تحتفظ بجزء مهم من مخزونها ومنصاتها. وهذا يعني أن الصورة ليست “نصرًا حاسمًا” لطرف، ولا “عدم تأثر” للطرف الآخر، بل استنزاف متواصل لم يُحسم بعد.
كما أن المسيّرات ما زالت تمثل ورقة ضغط مهمة بيد إيران، خصوصًا لأنها أقل كلفة، وأسهل في الإطلاق، وأكثر قدرة على إرهاق الدفاعات الجوية لدى الخصوم. وقد ظهر أثر ذلك في الهجمات على أهداف في الخليج، بما في ذلك مطارات ومنشآت وبنى حيوية، حتى لو كانت هذه الهجمات لا تعني بالضرورة بقاء القوة الإيرانية على حالها قبل الحرب.
وفي المقابل، فإن الكلفة الإنسانية للحرب تكشف بعدًا آخر يناقض خطاب “عدم التأثر”. فقد تحدثت تقارير عن أكثر من 1,341 قتيلًا مدنيًا ونحو 17 ألف جريح داخل إيران، بينما قالت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إن عدد النازحين داخليًا قد يصل إلى 3.2 ملايين شخص. كما وثقت منظمة الصحة العالمية 18 هجومًا على مرافق الرعاية الصحية منذ 28 فبراير/شباط، ما يعكس أن أثر الحرب لا يُقاس فقط بالقدرة على إطلاق النار، بل أيضًا بما تتركه من إنهاك داخلي واسع على الدولة والمجتمع.
وبحسب إيستيل نيلسون-جوليان، إيران ما زالت لديها القدرة على الرد، لكنّها بالتأكيد لم تبقَ بلا خسائر أو بلا تأثير. “دفاع الفسيفساء” منحها قدرة على امتصاص الصدمة ومواصلة القتال بعد ضربات قاسية واستهداف قيادات عليا، لكنه لم يُلغِ أثر الضربات على الصواريخ، ومنصات الإطلاق، والقدرة العملياتية، ولا على الداخل الإيراني نفسه. لذلك تبدو تصريحات طهران جزءًا من حرب الرسائل والدعاية ورفع المعنويات أكثر من كونها تقييمًا عسكريًا محايدًا.
المصادر/ رويترز- يورونيوز