ما سر غرينلاند؟ ولماذا يهتم بها ترامب لهذا الحد؟

لماذا يواصل الرئيس الأميركي دونالد ترامب توجيه اهتمامه إلى جزيرة غرينلاند النائية القطبية الشاسعة التي تحكمها الدانمارك وتتمتع بالحكم الذاتي.؟ ولماذا يتسبب ذلك في توترات مع أوروبا؟

يناير 18, 2026
35

في أحدث تطور بشأن أزمة جزيرة غرينلاند، هدّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بفرض رسوم جمركية بنسبة 25% على مجموعة من الدول الأوروبية، من بينها الدنمارك وألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة، إلى أن يُسمح للولايات المتحدة بشراء الجزيرة، في تصعيد غير مسبوق لمساعي الرئيس الأميركي للسيطرة على الإقليم الدنماركي المتمتع بالحكم الذاتي.

وفي منشور مطوّل نُشر يوم السبت على منصة «تروث سوشيال»، قال ترامب إنه سيفرض رسوماً جمركية بنسبة 10% على الدنمارك والنرويج والسويد وفرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة وهولندا وفنلندا، اعتباراً من الأول من فبراير، على أي وجميع السلع المرسلة إلى الولايات المتحدة، مشيرا إلى أن هذه الرسوم سترتفع إلى 25% ابتداءً من الأول من يونيو/ حزيران القادم.

فلماذا يواصل ترامب توجيه اهتمامه إلى هذه الجزيرة النائية القطبية الشاسعة التي تحكمها الدانمارك وتتمتع بالحكم الذاتي.؟ ولماذا يتسبب ذلك في توترات مع أوروبا؟

إليك ما يجب أن تعرفه:-

ما طبيعة غرينلاند؟

غرينلاند جزيرة غنية بالموارد، تبلغ مساحتها نحو 836 ألف ميل مربع (2.16 مليون كيلومتر مربع)، وكانت مستعمرة دنماركية سابقة وأصبحت الآن إقليمًا يتمتع بالحكم الذاتي تابعًا للدنمارك، وتقع في القطب الشمالي.

وهي أقل دول العالم كثافة سكانية، ومعظم أراضيها مغطاة بالجليد. ويبلغ عدد سكانها نحو 56 ألف نسمة، ويتنقلون بين مدن الجزيرة بالقوارب والمروحيات والطائرات. وتُعد العاصمة نوك نموذجًا لتلك المدن، بمنازلها ذات الألوان الزاهية المتلاصقة بين ساحل وعر وجبال داخلية.

خارج المدن، تشكل البرية معظم أراضي غرينلاند، إذ يغطي الجليد 81% من مساحتها. ويعود نحو 90% من السكان إلى أصول إنويت، وقد اعتمد اقتصادها طويلًا على صيد الأسماك.

ولا يمكن لأي فرد امتلاك الأراضي في غرينلاند، وهو ما “يجعل النظر إلى بلدنا كعقار أمرًا استفزازيًا للغاية بالنسبة لنا”، بحسب المخرج الغرينلاندي إينوك سيليس هوغ في تصريحات لشبكة سي إن إن الأميركية.

مظاهرات واسعة في الدنمارك رفضًا لرغبة ترامب في السيطرة على غرينلاند (مواقع التواصل الاجتماعي)
مظاهرات واسعة في الدنمارك رفضًا لرغبة ترامب في السيطرة على غرينلاند (مواقع التواصل الاجتماعي)

لماذا تُعد مهمة استراتيجيًا؟

هناك ثلاثة عوامل مترابطة، زادتها أزمة المناخ حدة، تجعل غرينلاند ذات أهمية استراتيجية بالغة: موقعها الجيوسياسي، ومواردها الطبيعية، وإمكانات طرق الشحن الشمالية المحيطة بها.

تقع غرينلاند بين الولايات المتحدة وأوروبا، وتتحكم فيما يُعرف بـ“فجوة  جيوك”، وهو ممر بحري بين غرينلاند وآيسلندا والمملكة المتحدة يربط القطب الشمالي بالمحيط الأطلسي. هذا الموقع يجعلها أساسية للتحكم في الوصول إلى شمال الأطلسي، سواء لأغراض تجارية أو أمنية.

كما تعزز مواردها الطبيعية الغنية – بما في ذلك النفط والغاز والمعادن النادرة – من أهميتها، في وقت تستخدم فيه الصين هيمنتها على صناعة المعادن النادرة للضغط على الولايات المتحدة. وتُعد هذه المعادن حيوية للاقتصاد العالمي، إذ تدخل في تصنيع كل شيء تقريبًا، من السيارات الكهربائية وتوربينات الرياح إلى المعدات العسكرية.

وقد تصبح هذه الثروات المعدنية أكثر قابلية للوصول مع ذوبان الجليد القطبي بسبب أزمة المناخ، لكن تعدينها سيظل صعبًا بسبب التضاريس الجبلية، وضعف البنية التحتية، والقيود البيئية المفروضة.

كما أن ذوبان الجليد يجعل طرق الشحن الشمالية صالحة للملاحة لفترات أطول من العام، بما لذلك من تداعيات على التجارة والأمن.

ورغم ذلك، قلل ترامب من أهمية الموارد الطبيعية لغرينلاند، قائلًا الشهر الماضي: “نحن بحاجة إلى غرينلاند من أجل الأمن القومي، وليس من أجل المعادن”.

لكن مستشاره السابق للأمن القومي، مايك والتز، قال في يناير/كانون الثاني 2024 إن تركيز ترامب ينصب على الموارد الطبيعية، موضحًا أن اهتمام الإدارة بغرينلاند يتعلق بـ“المعادن الحيوية” و“الموارد الطبيعية”.

كل ذلك يعني أن الولايات المتحدة والصين وروسيا تتنافس الآن على منطقة القطب الشمالي مع تغير جغرافيتها بفعل أزمة المناخ.

ما علاقة فنزويلا بالأمر؟

في اليوم التالي لقيام القوات الأميركية بخطف مادورو من منزله، كرر ترامب أن الولايات المتحدة بحاجة إلى غرينلاند “من منظور الأمن القومي”.

وقال للصحفيين على متن طائرة الرئاسة: “غرينلاند مليئة بالسفن الروسية والصينية في كل مكان… نحن بحاجة إلى غرينلاند لأسباب تتعلق بالأمن القومي، والدانمارك لن تكون قادرة على القيام بذلك”.

وعزز البيت الأبيض موقفه الثلاثاء، قائلًا إنه “يناقش مجموعة من الخيارات” للاستحواذ على غرينلاند، وأن استخدام الجيش الأميركي ليس مستبعدًا.

لكن وزير الخارجية ماركو روبيو قلل من احتمال التدخل العسكري في المدى القريب، مشيرًا إلى أن إدارة ترامب تدرس خيار شراء غرينلاند.

ماذا قال ترامب سابقًا؟

خلال ولايته الأولى، استفسر ترامب عن إمكانية شراء غرينلاند، ورغم إبلاغه بأن “غرينلاند ليست للبيع”، عاد وأثار الفكرة في ديسمبر/كانون الأول 2024، قائلًا في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي إن “امتلاك الولايات المتحدة لغرينلاند والسيطرة عليها ضرورة مطلقة لأغراض الأمن القومي والحرية في العالم”.

كما زار نائب الرئيس جي دي فانس الجزيرة في مارس/آذار 2025، وقال إن من “سياسة الولايات المتحدة” السعي لتغييرات في القيادة الدنماركية للجزيرة، مع إقراره بأن مستقبل غرينلاند يجب أن يقرره سكانها.

وتُظهر استطلاعات الرأي في غرينلاند معارضة واضحة للانضمام إلى الولايات المتحدة.

ما الوجود الأميركي هناك تاريخيًا؟

لدى الولايات المتحدة بالفعل موطئ قدم أمني في غرينلاند، يعود إلى حقبة الحرب الباردة، حين جعل قربها من روسيا منها موقع مراقبة حيويًا في حال وقوع هجوم صاروخي.

وقد وقعت اتفاقية دفاع مع الدانمارك عام 1951، سمحت لها بنشر قوات في قاعدة عسكرية لا تزال مستخدمة، وإن على نطاق أصغر بكثير.

وقبل ذلك، حاولت الولايات المتحدة عدة مرات شراء غرينلاند، كان آخرها في عام 1946.

ماذا يعني هذا لحلف الناتو؟

إذا استخدمت الولايات المتحدة القوة العسكرية للاستيلاء على غرينلاند – وهو أمر لم يستبعده ترامب صراحة – فقد يؤدي ذلك إلى تصدع حلف شمال الأطلسي (الناتو).

وقالت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن إن “أي هجوم عسكري أميركي على دولة عضو في الناتو سيوقف كل شيء، بما في ذلك الحلف نفسه”.

وأكد قادة أوروبيون دعمهم للدنمارك وغرينلاند، مشددين على أن أمن القطب الشمالي يجب أن يُصان جماعيًا عبر الناتو.

ماذا يفكر الغرينلانديون؟

يمسّ خطاب ترامب المتكرر جوهر السياسة في غرينلاند، التي تشكلت طويلًا بفعل الإرث الاستعماري الدنماركي.

ورغم الوعود بالسير نحو الاستقلال، لا يرغب معظم الغرينلانديين في استبدال القيادة الدنماركية بقيادة أميركية.

وقال رئيس وزراء غرينلاند، ينس-فريدريك نيلسن، إن خطاب الولايات المتحدة “غير مقبول تمامًا”، مضيفًا:
“غرينلاند وطننا، وأرضنا، وستبقى كذلك”.

المصدر / سي إن إن

اترك تعليقاً