دراسة تكشف كيف ترفع التقنيات الحديثة فهم الجمهور للأخبار
في عصرٍ تتنافس فيه الأخبار على ثوانٍ قليلة من انتباه الجمهور، يبدو أن طريقة العرض باتت جزءاً من المعنى نفسه، لا مجرد غلافٍ له. ولم يعد السؤال: ما الذي نقوله؟ بل: كيف نعرضه؟
تعزيز الأخبار بالمؤثرات البصرية يرفع قدرة الجمهور على استيعاب المعلومات وتذكرها (صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي)
في زمنٍ تتقلّص فيه مساحة الانتباه إلى ثوانٍ معدودة، لم تعد الأخبار تُقاس فقط بما تحمله من معلومات، بل بكيفية تقديمها. فوسط سيلٍ متدفق من العناوين والتنبيهات والشاشات المتعددة، أصبح الشكل جزءاً لا ينفصل عن الجوهر، وأضحى العرض شريكاً في صناعة المعنى لا مجرد وعاءٍ له.
لم يعد السؤال التقليدي في غرف الأخبار: ماذا نقول؟ بل بات أكثر إلحاحاً وتعقيداً: كيف نقوله؟ وكيف نعرضه ونحوله من معلومة عابرة إلى معرفة مستقرة في الذاكرة؟
وتضع دراسة أكاديمية، أجرتها الباحثتان الأكاديميتان خلود سلام صالح وأمينة المير بعنوان ” دور التقنيات الحديثة في فهم الجمهور المتعرض للمضامين الإخبارية”، هذا السؤال تحت المجهر، وتختبر – بالأرقام – ما إذا كانت المؤثرات البصرية والتقنيات الحديثة داخل “الغرف الذكية” للأخبار التلفزيونية قادرة فعلاً على رفع مستوى الفهم والتذكر، أم أنها مجرد “زينة” تُضيف ضجيجاً إلى رسالة مُزدحمة أصلاً.
وأجرت الأكاديميتان تجربة شبه تجريبية على 164 طالباً وطالبة جامعية تقارن بين نشرة “تقليدية” وأخرى مدعومة بمؤثرات بصرية… والنتيجة: فروق واضحة في التذكر والفهم.
ما أهمية ذلك؟
في سوق أخبارٍ يزدحم بالمحتوى، تتراجع قيمة “المعلومة” إذا لم تصل بوضوح. الدراسة تسأل سؤالاً يهم كل غرفة أخبار:
هل طريقة العرض (المرئي/التفاعلي/المؤثرات) تحسّن فهم الجمهور وتذكره، أم تزيد العبء الإدراكي وتشتت الانتباه؟
وما الدور الذي تلعبه التقنيات الحديثة المستخدمة في إنتاج الأخبار التلفزيونية داخل “الغرف الذكية” في تعزيز فهم الجمهور لمضامين البرامج؟
كيف أُجريت التجربة؟
تقسيم العينة إلى مجموعتين متساويتين:
مجموعة ضابطة: تشاهد القصص بصيغتها التقليدية دون مؤثرات
مجموعة تجريبية: تشاهد القصص نفسها مع مؤثرات بصرية وتقنيات داعمة
عرض 4 قصص خبرية:
وقامت الباحثة باختيار اربعة قصص خبرية هي:
1. حريق في العاصمة بغداد يؤدي الى ضحايا، وهو يتمتع بعنصري الجدة والقرب.
2. ملاحقة عناصر داعش في العراق وسوريا، وهو يتمتع بعنصري الجدة والقرب.
3. الاحتباس الحراري وحرائق الغابات حول العالم.
4. مقترحات تطرحها وكالة الطاقة الدولية لتقليل استهلاك الوقود.
قصتان أعلى أهمية (القرب + الجِدّة)
قصتان أقل أهمية
بعد المشاهدة: اختباران:
تذكر حر (أسئلة مفتوحة لاسترجاع المعلومات)
تذكر بالمساعدة/التعرف (أسئلة مغلقة لتمييز المعلومات)
أبرز النتائج
1) المؤثرات البصرية رفعت “التذكر الحر” عبر الأخبار الأربعة
في المرحلة النهائية، ظهرت فروق دالّة إحصائياً لصالح المجموعة التي شاهدت الأخبار مع المؤثرات في كل القصص.
المعنى: الجمهور لم يكتفِ بالتلقي، بل صار أقدر على إعادة سرد المعلومات الأساسية من تلقاء نفسه.
2) “التذكر بالمساعدة” تحسّن أيضاً… وبشكل أوضح في المرحلة الثانية
في المرحلة النهائية، تحسّن التعرف/التذكر بالمساعدة لصالح العرض المعزز بصرياً في الأخبار الأربعة.
في المرحلة الأولى ظهر استثناء محدود في خبر واحد، ما يوحي بأن بعض الموضوعات قد تُفهم حتى مع عرض تقليدي إذا كانت ذات صلة قوية بالجمهور.
3) ملاحظة سلوكية لافتة: العرض التقليدي يرفع الملل والتشتت
سجّلت الباحثة ميدانياً أن المجموعة الضابطة كانت أكثر:
مللاً ورغبة في إنهاء الاختبار سريعاً
تشتتاً وحديثاً جانبياً واستخداماً للهاتف
بينما بدا تركيز المجموعة التجريبية أعلى.
4) “القرب والجِدّة” ليسا العامل الحاسم دائماً
نتائج الدراسة تشير إلى أن عنصرَي القرب والجدة لم يضمنا وحدهما فهماً أعلى بشكل ثابت، باستثناء حالة محدودة لم تتكرر بنفس القوة لاحقاً.
ماذا تعني هذه النتائج للمحررين وصنّاع المحتوى؟
المؤثرات البصرية ليست زينة: إذا صُممت لتخدم الفكرة، فهي تزيد الفهم والتذكر.
الهدف ليس “الإبهار” بل “خفض العبء الإدراكي”: أي جعل الخبر أسهل ترميزاً في الذاكرة عبر تبسيط العرض لا تعقيده.
الرهان على القصة + التقديم: أهمية الموضوع وحدها لا تكفي؛ طريقة السرد البصري تصنع فرقاً قابلاً للقياس.
توصيات تطبيقية سريعة لغرفة أخبار رقمية (5 نقاط)
أضف عناصر بصرية “شارحة” (خرائط/أرقام/تسميات) لا عناصر “استعراضية”.
قلّل ازدحام الشاشة: عنصران واضحان أفضل من خمسة مشتتة.
اجعل البيانات تخدم سؤالاً واحداً في كل لقطة: ماذا حدث؟ أين؟ كم؟ لماذا؟
اختبر التذكر: اطلب من فريقك تلخيص الخبر بعد دقيقة—إن تعذر، فالعرض مربك.
صمّم نسختين: نسخة سريعة للجمهور العام ونسخة أعمق لقراء التفاصيل.
الخاتمة
تخلص الدراسة إلى أن تعزيز الأخبار بالمؤثرات البصرية والتقنيات الحديثة داخل الغرف الذكية يرفع قدرة الجمهور على استيعاب المعلومات وتذكرها، خاصة في “التذكر الحر” الذي يعكس الفهم العميق لا مجرد التعرف. وبينما قد تمنح “أهمية الموضوع” دفعة إضافية للانتباه، إلا أن طريقة العرض تظل عاملاً حاسماً في تحويل الخبر من مرور سريع إلى معرفة قابلة للاسترجاع.