المالكي يكشف أوراقه.. رسائل الداخل وحسابات الخارج

فبراير 24, 2026
9
ناجي الغزي/ كاتب ومحلل سياسي عراقي

المالكي وجه رسالة عبر الحوار: لا عداء مع طهران، ولا تبعية لها.(وكالة الأنباء العراقية)

ناجي الغزي

في توقيت داخلي مرتبك وإقليمي شديد الحساسية، لم يكن لقاء رئيس الوزراء السابق وزعيم ائتلاف دولة القانون نوري المالكي مع وكالة الصحافة الفرنسية أمس الاثنين مجرد مقابلة صحفية عابرة، بل أقرب إلى بيان سياسي محسوب بعناية.

اللغة جاءت هادئة، خالية من الانفعال، ومحمّلة برسائل متعددة الاتجاهات: إلى الداخل المأزوم، إلى الفصائل المسلحة، إلى واشنطن، وإلى طهران.

المالكي بدا في هذا الحوار وكأنه يسعى إلى إعادة تقديم نفسه بوصفه “رجل دولة” أكثر منه “زعيم مرحلة صدامية”، محاولاً إعادة تعريف موقعه السياسي في معادلة سلطة تتنازعها الدولة واللا-دولة، وتضغط عليها استحقاقات الداخل وتحولات الخارج.

هذه قراءة في أبرز الدلالات السياسية التي حملها الخطاب:-

أولاً: تثبيت الحضور… لا انسحاب من المشهد

إصرار المالكي على عدم الانسحاب من الترشح لرئاسة الوزراء لم يكن تفصيلاً إجرائياً، بل رسالة سياسية صريحة.

فالانسحاب، في لحظة توازنات دقيقة، قد يُفسَّر بوصفه رضوخاً لضغوط داخلية أو إقليمية. لذلك جاء الموقف حاسماً: معادلة السلطة لا يمكن أن تتجاوزه، أو على الأقل لا يمكن أن تُرسم من دون احتساب موقعه فيها.

إنها محاولة لتثبيت الذات كلاعب مركزي في لحظة إعادة توزيع أدوار.

ثانياً: فصل الشخص عن الدولة… ترميم مفهوم السيادة

تأكيده أن الرسائل الأميركية موجّهة إلى الدولة العراقية لا إليه شخصياً يحمل دلالات عميقة.

الرسالة للخارج: العراق دولة مؤسسات، لا ساحة تفاوض مع أفراد.

والرسالة للداخل: العلاقة مع واشنطن ليست علاقة شخصانية أو قناة خاصة، بل إطار رسمي يخضع لمعادلات سيادية.

هذا الفصل المقصود بين “المالكي” و“الدولة” يبدو محاولة واعية لإعادة ترميم صورة السيادة التي تآكلت بفعل سنوات من الاتهامات بالتبعية والتدخل الخارجي.

ثالثاً: السلاح بيد الدولة… احتواء لا قطيعة

التركيز على حصر السلاح بيد الدولة واشتراط المشاركة السياسية بترك العمل المسلح يعكس إدراكاً لجوهر الأزمة العراقية: ازدواجية القرار الأمني.

غير أن الخطاب لم يذهب إلى القطيعة مع الفصائل، بل فتح باب “التحول المدني” أمامها.

الهدف هنا ليس الإقصاء، بل الاحتواء المنظم؛ ليس كسر التوازن، بل إعادة هندسته داخل إطار الدولة.

إنها مقاربة إصلاحية محسوبة أكثر منها مواجهة مفتوحة.

رابعاً: واشنطن… تطمين محسوب بلا خضوع

حديثه عن انسحاب القوات الأميركية “بهدوء وسياقات محترمة”، وعن ضرورة العلاقة مع الولايات المتحدة لنهوض العراق، حمل نبرة تطمين واضحة.

لكن هذا التطمين تزامن مع رفض صريح لأي وصاية أو تدخل في السيادة.

المالكي هنا يسير على حبل مشدود: لا عودة إلى خطاب المواجهة، ولا انزلاق إلى موقع التابع.

إنها محاولة لإعادة تعريف العلاقة بوصفها شراكة مصالح لا علاقة وصاية.

خامساً: إيران… الجغرافيا قبل الأيديولوجيا

في مقاربته للعلاقة مع إيران، استخدم المالكي لغة المصالح لا الشعارات.

الإشارة إلى 1300 كيلومتر من الحدود المشتركة تذكير بأن العلاقة ليست خياراً أيديولوجياً، بل ضرورة جغرافية وأمنية واقتصادية.

في المقابل، شدد على عدم السماح لأي دولة – بما فيها إيران – بالتدخل في السيادة العراقية، في محاولة واضحة لتفكيك سردية “الارتهان”.

الرسالة هنا مزدوجة: لا عداء مع طهران، ولا تبعية لها.

سادساً: حماية الإطار… منع انتقال الصراع إلى الداخل

وصف “الإطار التنسيقي الشيعي” بأنه مؤسسة مهمة للحالة الوطنية يكشف خشية ضمنية من تفككه.

فالمالكي يدرك أن انتقال الصراع إلى داخل البيت الشيعي سيضعف الجميع ويفتح الباب أمام إعادة رسم توازنات أوسع.

الدعوة إلى التماسك ليست فقط دفاعاً عن تحالف سياسي، بل دفاع عن توازن قوى قائم.

سابعاً: الحكومة المدنية… إعادة تعريف السلطة

التشديد على أن الحكومة المقبلة ستكون مدنية لا عسكرية يتجاوز الوصف التقني.

إنه رد سياسي على مخاوف إقليمية ودولية من عسكرة الدولة أو هيمنة الفصائل.

المالكي يحاول تقديم نفسه كضامن لتحويل فائض القوة إلى إطار مؤسسي منضبط، لا كراعٍ لاستمراره خارج الدولة.

ثامناً: الاقتصاد… معيار الشرعية المقبلة

إقراره بصعوبة الوضع الاقتصادي والحاجة إلى نهضة شاملة يكشف تحولاً في مركز الثقل الخطابي.

الشرعية المقبلة، كما يوحي الخطاب، لن تُبنى على السرديات الأمنية أو الأيديولوجية، بل على القدرة على تحسين الواقع المعيشي.

هنا ينتقل الحديث من “الدولة القوية” إلى “الدولة القادرة”.

بيان سياسي في هيئة مقابلة

حوار المالكي مع وكالة الصحافة الفرنسية لم يكن مادة إعلامية عابرة، بل محاولة لإعادة صياغة موقعه السياسي ورؤيته للدولة.

الدولة – وفق هذا الطرح – ليست ساحة صراع إقليمي، بل مشروع قابل للحياة شرط:

إعادة الاعتبار للمؤسسة

ضبط السلاح داخل الإطار الرسمي

إدارة العلاقات الخارجية بمنطق المصالح

وربط الشرعية بالإنجاز الاقتصادي

إنها محاولة لإعادة تقديم العراق كفاعل لا مفعول به، كلاعب لا ساحة، في منطقة لا تعترف بالمترددين.


*المقال يمثل وجهة نظر الكاتب ولا يمثل بالضرورة رأي أوج 24.

المصدر: أوج 24

اترك تعليقاً