بين السيادة والتلويح الأميركي بالعقوبات.. العراق على حافة اختبار صعب
يشهد المشهد السياسي في العراق حالة من الجمود المتصاعد بعد إخفاق البرلمان في الالتزام بالمدد الدستورية الخاصة بانتخاب رئيس الجمهورية وتكليف رئيس الوزراء، ما يعيد البلاد إلى دائرة الانسداد السياسي في توقيت إقليمي ودولي حساس.
كريم حسين
في لحظة سياسية مشحونة، تقف بغداد أمام معادلة دقيقة: إما المضي في خيار داخلي مثير للانقسام، أو مواجهة ضغوط خارجية قد تعيد رسم حدود اللعبة.
فمع تمسّك الإطار التنسيقي الشيعي بترشيح زعيم ائتلاف دولة القانون نوري المالكي لرئاسة الوزراء، لوّحت واشنطن – عبر رسالة شفهية نقلتها وزارة الخارجية العراقية في بيان نشر اليوم الخميس– بإمكانية فرض عقوبات على أفراد ومؤسسات إذا استمر هذا المسار.
يأتي ذلك في ظل تحذيرات أميركية سابقة من تداعيات عودة المالكي، إذ كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد وصف هذا الخيار بأنه “سيئ”، ملوحاً بأن واشنطن “لن تساعد العراق” في هذه الحالة. ورفض المالكي حينها ما وصفه بالتدخل الأميركي السافر في الشؤون الداخلية للعراق، واعتبره انتهاكا لسيادة بلاده.
كما نفى مكتب المالكي، أول أمس الثلاثاء، سحب الإطار التنسيقي ترشيحه لمنصب رئيس الوزراء، مشددا على أن “الإطار التنسيقي ملتزم بمواقفه السياسية، ومحاولات التشويش على الرأي العام لن تنجح”، بحسب وكالة الأنباء العراقية (واع).
كما نقلت صحيفة الشرق الأوسط اللندنية عن مصادر موثوقة أن المالكي ما زال يرفض التخلي عن ترشيحه لرئاسة الوزراء، وما زال متمسكا به.
ترشيح المالكي جاء بعد فوز الإطار التنسيقي، الكتلة الشيعية الأكبر، بأغلبية انتخابات نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، ما يمنحه دستوريًا حق تقديم مرشح لرئاسة الحكومة. غير أن المشهد أبعد من مجرد استحقاق دستوري؛ فهو اختبار لعلاقة بغداد بواشنطن، ولتوازنات إقليمية شديدة الحساسية.
ورجحت صحيفة نيويورك تايمز، في تقرير سابق لها، تصعيدًا دبلوماسيًا محتملًا بين الولايات المتحدة والعراق، ويبرز حساسية ملف تشكيل الحكومة العراقية في ظل التوازنات الإقليمية والدولية، خاصة مع عودة شخصية، تراها بعض الأطراف المحلية والدولية، بأنها ذات إرث سياسي مثير للانقسام.

سيناريوهات مفتوحة
المؤشرات لا توحي بانفراج قريب. البرلمان أخفق في انتخاب رئيس الجمهورية، وتأخر تشكيل الحكومة عمّق الانقسام داخل البيت الشيعي، وأعاد تعقيدات العلاقة بين بغداد وأربيل إلى الواجهة.
أمام هذا الانسداد، تبرز ثلاثة مسارات محتملة:
تسوية مؤقتة: اختيار رئيس جمهورية توافقي، تعقبه حكومة بتوازنات هشة.
اتفاق أوسع: إعادة ترتيب التحالفات بما يمنح الحكومة المقبلة هامش استقرار نسبي.
استمرار الانسداد: تصاعد الضغوط الشعبية والتدخلات الخارجية، مع تمديد حكومة تصريف الأعمال.
وفي الكواليس، تتردد خيارات أخرى:
بقاء رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني بصلاحيات محدودة.
عودته كخيار “أقل تكلفة” مقبول دوليًا.
انسحاب تكتيكي للمالكي لصالح مرشح تسوية من داخل الإطار.
سلاح العقوبات… التأثير المحتمل
المخاوف الأكبر ترتبط بما تصفه مصادر مطلعة بـ”أدوات ضغط مدمّرة”. التهديدات – وفق التحليلات – قد تشمل استهداف شركة تسويق النفط (سومو)، والبنك المركزي، وقطاعات أمنية ودبلوماسية.
اقتصاديًا، أي عقوبات واسعة قد تعني:
- ارتفاعًا حادًا في سعر الدولار.
- – تعطل الخدمات الأساسية.
-صعوبة في تأمين رواتب القطاع العام.
ويأتي ذلك في وقت دخل فيه العراق عام 2026 بلا موازنة مفصلة، ما جمّد المشاريع التنموية وأبقى الإنفاق مقيدًا بقاعدة الصرف المؤقتة، في مشهد يعمّق هشاشة الاقتصاد.
أزمة ثقة قبل أن تكون أزمة أسماء
يرى مراقبون أن جوهر الأزمة لا يكمن في اسم المرشح بقدر ما يعكس أزمة ثقة متبادلة بين القوى السياسية. الضغوط الخارجية قد تدفع نحو تسوية، لكنها لن تحسم المشهد ما لم تنضج تفاهمات داخلية.
الترجيحات تميل إلى تسوية متأخرة تُبقي التوازن هشًا، فيما يبقى العراق عالقًا بين حسابات الداخل وضغوط الخارج — بانتظار إعادة ترتيب أعمق لخريطته السياسية.