بين الغياب والتأثير.. كيف يستعيد العراق فاعليته السياسية؟

مارس 29, 2026
69

التحول الحقيقي للعراق لا يكمن في انتظار ما ستقرره واشنطن أو طهران، بل في إدراك أن قواعد اللعبة تغيّرت (ذكاء اصطناعي)

ناجي الغزي/كاتب وسياسي عراقي

كلما تصاعد التوتر واشتدّ الصراع بين واشنطن وطهران، يعود الخطاب الذي يختزل العراق إلى مجرد ساحة قابلة لإعادة التشكيل الخارجي.

ورغم شيوع هذا التصور في أوساط من النخب السياسية والفكرية، إلا أنه يستند إلى افتراض مبطن مفاده أن الدولة العراقية ما تزال في درجة من الهشاشة تسمح بإعادة هندستها بسهولة، سواء عبر أدوات الضغط الناعمة أو التدخلات الصلبة متى ما قررت القوى الكبرى ذلك.

غير أن قراءة أكثر عمقاً لمسار الدولة بعد عام 2003 تكشف صورة مغايرة. فالعراق لم يعد مجرد نظام ضعيف أو قابل للانكسار السريع، بل تحوّل إلى بنية سياسية معقدة قادرة ولو بحدود، القدرة على امتصاص الضغوط والصدمات وإعادة تشكيل توازناتها الداخلية.

أولاً: حدود القدرة الأميركية على التغيير

ثمة اتجاه في بعض القراءات السياسية يفترض أن الولايات المتحدة ما تزال تحتفظ بحزمة كافية من أدوات النفوذ تمكّنها من إعادة تشكيل بنية السلطة في بغداد بكلفة منخفضة وبلا تعقيدات تُذكر. غير أن هذا الافتراض ينطوي على تبسيط مخلّ، إذ يتجاهل تحولين بنيويين عميقين أعادا صياغة البيئة العراقية وحدود التأثير الخارجي فيها.

الأول: تراجع فعالية الأدوات التقليدية للنفوذ الأميركي. فالاقتصاد العراقي، رغم ارتباطه بالنظام المالي العالمي، لم يعد أحادي القناة، كما أن القوى السياسية لم تعد تعتمد على شرعية خارجية واحدة، بل توزّع علاقاتها بين أطراف متعددة.

الثاني: صعود التعددية داخل النظام نفسه. العراق اليوم ليس نظاماً مركزياً يمكن إعادة ضبطه بقرار واحد، بل شبكة قوى متداخلة تجعل أي محاولة لإعادة الهندسة من الخارج عرضة للتعطيل أو الاحتواء أو حتى الارتداد العكسي. بمعنى آخر، المشكلة لم تعد في “ضعف العراق”، بل في تعقيده.

ثانياً: العراق بين فرضية الانهيار وقدرة التكيّف

يرى بعض المحللين أن العراق يعد الخاسر الأكبر في خضم الصراعات الإقليمية، بوصفه ساحة تتقاطع فيها المصالح وتُستنزف فيها التوازنات. غير أن هذا التوصيف، رغم وجاهته الظاهرية، ينطوي على تبسيط يُغفل تعقيد الدور العراقي وقدرته على التكيّف وإعادة التموضع داخل هذه الصراعات.

ويمثل هذا الطرح اختزالاً مفرطاً لطبيعة الدولة وتعقيد دينامياتها الداخلية، إذ يتجاهل دور الفاعلية الذاتية ويُقصي قدرة الداخل على التأثير، وكأن الدولة كيان منزوع الإرادة لا يملك سوى التلقي والاستجابة للضغوط الخارجية. غير أن التجربة العراقية خلال العقدين الماضيين تشير إلى العكس:

النظام السياسي، رغم أزماته البنيوية، أظهر قدرة عالية على امتصاص الصدمات من العنف الداخلي، إلى الأزمات الاقتصادية، إلى الضغوط الإقليمية، ثم إعادة ترتيب توازناته دون انهيار شامل. هذه القدرة لا تعني الاستقرار المثالي، لكنها تنفي حتمية السقوط.

الأهم أن المجتمع السياسي العراقي تعلّم تدريجياً كيف يناور بين الضغوط المتعارضة بدل الانكسار أمامها، وهو ما يجعل فكرة “الخسارة الحتمية” تبسيطاً مفرطاً.

ثالثاً: قراءة سيناريوهات الصراع … ولكن من الداخل

إن اختزال العراق بوصفه مجرد ساحة تُدار فيها صراعات الآخرين لا يعكس سوى قراءة قاصرة تتجاهل تعقيد الدولة العراقية وطبيعة توازناتها. فالعراق، رغم قيوده، لا يخلو من فاعلية داخلية تمكّنه من التأثير ولو نسبياً في مساره، وإعادة تشكيل موقعه ضمن بيئة إقليمية شديدة التشابك. ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي لا ينبغي أن يكون: ماذا سيفعل به الآخرون؟ بل: كيف سيتصرف هو في ظل هذه التحولات؟

فقيمة العراق الاستراتيجية لا تُقاس بمدى تأثره بالصراع، بل بقدرته على إدارة هذا التأثر وتحويله إلى مساحة حركة. وهنا تتقدم الفاعلية السياسية للنخب بوصفها العامل الحاسم: عبر إعادة صياغة التحالفات، وتوظيف التوازنات، والانتقال من منطق الاصطفاف إلى إدارة التناقضات. بهذا المعنى، يمكن للعراق أن يتحول من ساحة يُتنازع عليها إلى فاعل يسعى لفرض توازناته داخل بيئة مضطربة. انطلاقًا من هذه الرؤية، يمكن إعادة تفكيك السيناريوهات المطروحة ضمن إطار تحليلي افتراضي يعيد تمركز القراءة حول الفاعلية الداخلية بدل الارتهان للتفسيرات الخارجية:

1- في حال تراجع إيران: الطرح التقليدي يفترض أن ضعف إيران يعني تلقائيًا تفكك النظام العراقي. لكن القراءة المعاكسة تشير إلى احتمال مختلف. قد يدفع تراجع طهران القوى السياسية العراقية إلى إعادة تموضع داخلي سريع، لا عبر الانهيار، بل عبر تفكيك تدريجي للاعتماد الخارجي، وإعادة تشكيل التحالفات على أساس المصلحة الوطنية، وتعزيز دور مؤسسات الدولة لملئ الفراغ. أي أن النتيجة المحتملة ليست سقوط النظام، بل تحرره النسبي من أحد مصادر الاختلال.

2- في حال صمود إيران: يُفترض هنا أن واشنطن ستتجه لمعاقبة العراق. لكن هذا السيناريو يتجاهل أن الضغط المفرط غالباً ما ينتج أثراً عكسياً: يدفع القوى العراقية إلى مزيد من التماسك الداخلي، ويسرّع البحث عن توازنات بديلة بدل الارتهان لطرف واحد، ويعزز النزعة نحو استقلال القرار السياسي لتفادي التحول إلى ساحة تصفية حسابات. بمعنى آخر، الضغط لا يؤدي بالضرورة إلى تفكيك النظام، بل قد يعيد إنتاجه بشكل أكثر توازناً.

3- في حال استمرار الصراع دون حسم: هذا السيناريو يُقدَّم عادة بوصفه مسار استنزاف للعراق. لكنه قد يحمل وجهًا آخر: يمنح بغداد هامش مناورة أوسع بين الأطراف، ويسمح بتوزيع العلاقات بدل الاصطفاف الحاد، ويخلق فرصة لبناء سياسة “الحياد النشط” بدل التبعية. هنا يتحول موقع العراق من (ساحة صراع إلى مساحة توازن)، إذا ما أُحسن استثماره.

رابعاً: كيف يصنع العراق مستقبله من الداخل؟

التحليلات التي تتمحور حول الصراع الأميركي الإيراني تميل إلى تهميش العامل الداخلي، رغم أنه الأكثر تأثيراً على المدى البعيد. فمستقبل العراق سيتحدد أساساً عبر: قدرة النخبة السياسية على إعادة تعريف أولوياتها بعيداً عن الاصطفافات الحادة، وإصلاح تدريجي في بنية الدولة ومؤسساتها، واستجابة حقيقية لضغط الشارع الذي بات عنصراً فاعلاً لا يمكن تجاهله. هذه العوامل، لا مخرجات الحرب وحدها، هي التي سترسم شكل النظام القادم.

والعراق ليس محكوماً بأن يكون “ضحية صامتة” ولا “خاسراً بنيوياً”. هذه توصيفات تختزل واقعاً أكثر تعقيداً. صحيح أن موقعه الجيوسياسي يضعه في قلب التنافس، لكن هذا الموقع ذاته يمكن أن يتحول إلى مصدر قوة إذا أُدير بذكاء. التحول الحقيقي لا يكمن في انتظار ما ستقرره واشنطن أو طهران، بل في إدراك أن قواعد اللعبة تغيّرت: لم يعد النفوذ الخارجي قادراً وحده على رسم مصير الدول، كما لم يعد الضعف الداخلي قدراً ثابتاً.

المصدر: أوج 24

حول هذه القصة

الكرد في مرمى الحرب الإيرانية-الأميركية: فرصة مؤجلة أم فخ جديد؟

خبير دولي يحذر: هرمز المعركة التي قد تحدد مصير الهيمنة الأميركية

“ليست حربنا”.. لماذا تبتعد أوروبا عن مغامرة ترامب في إيران

اترك تعليقاً