أوج24الدوحةمباشر
عاجل
00:00:00
مقالات ورأي

هل كُسرت أسطورة التخفي؟ ما حدث للمقاتلة إف-35 يغيّر قواعد الحرب

هل كُسرت أسطورة التخفي؟ ما حدث للمقاتلة إف-35 يغيّر قواعد الحرب

ناجي الغزي/كاتب وسياسي عراقي

لم تكن حادثة إصابة طائرة الشبح الأميركية “إف-35 ” مجرد واقعة عسكرية عابرة يمكن احتواؤها في بيانات مقتضبة أو تبريرات تقنية، بل بدت أقرب إلى لحظة كاشفة، انزاحت فيها الستارة عن توازنات كانت تُدار في الخفاء، لتظهر هشاشة ما كان يُقدَّم باعتباره تفوقاً مطلقاً لا يُمس.

في سماء الشرق الأوسط، حيث اعتادت الطائرات الأميركية أن تتحرك بثقة شبه مطلقة، حدث ما لم يكن في الحسبان. إصابة مباشرة، أو شبه مباشرة، أجبرت واحدة من أكثر الطائرات تطوراً في التاريخ على الانسحاب والهبوط الاضطراري في إحدى القواعد الخليجية، في مشهد لا يمكن فصله عن التحولات الأعمق التي تضرب بنية الردع الأمريكية.

هذه الطائرة، التي أُنفقت عليها مئات المليارات، لم تكن مجرد منصة قتالية، بل كانت عقيدة كاملة: التفوق عبر التخفي، والسيطرة عبر التخفي invisibility، والحسم قبل أن يدرك الخصم أنه أصبح هدفًا. لكن ما جرى كشف أن “التخفي” لم يعد حصناً مطلقاً، بل ميزة نسبية يمكن اختراقها، أو على الأقل تحييدها.

الضربة الإيرانية، لم تكن فقط اعتراضاً لصاروخ أو إصابة هدف، بل كانت رسالة متعددة الطبقات. أولها أن بيئة المعركة تغيرت، وأن أدوات الرصد لم تعد حكراً على القوى الكبرى. وثانيها أن الدمج بين أنظمة الاستشعار المختلفة، خصوصاً الحرارية والرادارية، بدأ يُنتج معادلات جديدة تتجاوز مفهوم “الشبحية” التقليدي.

الأخطر من ذلك لا يتعلق بالخسارة المادية أو حتى التقنية للطائرة، بل بالصدمة النفسية للطيار. الطيار الذي كان يعتقد أنه غير مرئي، أصبح الآن يُقلع وهو يدرك أن هناك من قد يراه، ويتعقبه، وربما يصيبه. هذه النقلة من اليقين إلى الشك هي بحد ذاتها ضربة استراتيجية، لأنها تعيد صياغة السلوك القتالي من الهجوم إلى الحذر، ومن المبادرة إلى التردد.

وفي البعد الاستراتيجي لهذا التحول، لا يمكن فصل هذه الحادثة عن التحولات الجارية في ميزان القوى العالمي. فالتفوق العسكري لم يعد قائماً على امتلاك السلاح الأكثر تطوراً فقط، بل على القدرة على تعطيله، أو كشفه، أو تقويض فعاليته. وهنا تحديداً، تكمن خطورة ما حدث: ليس في إسقاط طائرة، وهو أمر لم يُعلن رسمياً، بل في إسقاط الفكرة التي بُنيت عليها.

أما الحديث عن دور روسي محتمل، سواء عبر نقل تكنولوجيا متقدمة أو دعم شبكات الرصد، فيبقى في دائرة التكهنات، لكنه يعكس حقيقة أعمق: أن ساحة الصراع لم تعد محلية أو إقليمية، بل أصبحت تقاطعاً لمصالح وتكنولوجيات قوى كبرى، تتواجه بشكل غير مباشر فوق جغرافيا مشتعلة.

الهروب المفاجئ لقاذفات ثقيلة، وتغير أنماط الطيران، وتزايد الحذر العملياتي، كلها مؤشرات على أن قواعد الاشتباك لم تعد كما كانت. لم تعد السماء مفتوحة كما في السابق، ولم يعد الخصم كما كان يُصوَّر. إنها لحظة إعادة تعريف قوة الردع: ليس فقط لمن يملك السماء، بل لمن يستطيع أن يحرم الآخر منها.

وفي هذا المشهد الجيوسياسي، يمكن القول إن ما حدث لم يكن مجرد إصابة لطائرة، بل طلقة أصابت في العمق صورة القوة الأميركية، وأعلنت ولو بشكل أولي، أن عصر الهيمنة الجوية المطلقة يقترب من نهايته، أو على الأقل من إعادة تشكيله.

كتب بواسطة

karimhussein06

فريق أوج24 التحريري يتابع الخبر ويضعه في سياقه بوضوح وسرعة.

اقرأ أيضاً

أخبار مرتبطة

من فقه الفرد إلى فقه الدولة
مقالات ورأي

من فقه الفرد إلى فقه الدولة

كريم محسن/ كاتب وإعلامي عراقي إعادة الجدل حول قانون الأحوال الشخصية وطرح سؤال المواطنة في العراق؟ ليست كل القوانين متشابهة؛ فبعضها ينظم شؤوناً إدارية…

منذ 1 monthأوج24
ليس هناك مؤامرة أيها السادة
مقالات ورأي

ليس هناك مؤامرة أيها السادة

في عام 2007، وبينما كان الاقتتال الطائفي ينهش أرواح الناس، ظهر رئيس الحكومة آنذاك نوري المالكي قائلا: “إن هناك تآمرًا على العراق ومحاولات للتدخل…

منذ 1 monthأوج24
اختيارات أوج24

قد يهمك أيضاً

شارك برأيك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.