بعد عقود كانت فيها واشنطن المظلة الأمنية الأبرز في الشرق الأوسط، يرى الباحث الأميركي ستيفن كوك أن المنطقة تدخل مرحلة مختلفة جذرياً. فالاتفاق الدفاعي الذي جمع السعودية وتركيا وباكستان في مكة ليس، في قراءته، مجرد تحالف عسكري جديد، بل مؤشر على أن قوى إقليمية بدأت تبحث عن نظام أمني تصنعه بنفسها بدلاً من الاعتماد شبه الكامل على الولايات المتحدة.
وفي مقال نشره مجلس العلاقات الخارجية الأميركي، يذهب كوك إلى استنتاج لافت: النظام الإقليمي الذي قادته الولايات المتحدة طوال نحو خمسة عقود وصل إلى نهايته، أو على الأقل لم يعد ممكناً الحديث عنه بالشكل الذي عرفته المنطقة سابقاً.
اتفاق مكة.. أكثر من تعهد عسكري
وقّعت السعودية وتركيا وباكستان في 7 أغسطس/آب 2026 “اتفاق مكة للدفاع المشترك”. وبحسب ما ينقله المقال عن تقارير صحفية، لم يُنشر النص الرسمي للاتفاق، لكن المعلومات المتاحة تشير إلى أنه يتضمن مبدأ قريباً من المادة الخامسة في حلف شمال الأطلسي “الناتو”: الاعتداء على دولة من الدول الموقعة يُعامل باعتباره اعتداءً على الجميع.
وهذا يعني نظرياً أن السعودية وتركيا قد تكونان ملزمتين بمساندة باكستان إذا اندلعت حرب في جنوب آسيا، وفي الاتجاه الآخر يمكن أن تجد الرياض وإسلام آباد نفسيهما أمام التزام بمساعدة أنقرة إذا دخلت تركيا في مواجهة عسكرية مع إسرائيل في سوريا أو شرق المتوسط.
لكن كوك يحذر من أخذ هذه التعهدات بحرفيتها قبل اختبارها عملياً.
فبعد 48 ساعة فقط من توقيع الاتفاق، هاجم الحوثيون منشأة تابعة لأرامكو في جازان جنوب غربي السعودية، ومع ذلك لم تطلب الرياض مساعدة شريكتيها الجديدتين.
ويرى الكاتب أن ذلك قد يعني أن السعودية لم تعتبر الهجوم تهديداً يستدعي تفعيل الاتفاق، لكنه يرجح تفسيراً آخر: أن الرياض ربما تدرك أن تركيا وباكستان ليستا متحمستين للدخول في حرب على الأراضي السعودية ضد الحوثيين.
وهنا تكمن المفارقة: أهمية اتفاق مكة، وفق كوك، ليست بالضرورة في قدرته الفورية على إنتاج دفاع جماعي شبيه بالناتو، وإنما في الرسالة السياسية والاستراتيجية التي يحملها.
النظام الذي بنته واشنطن
يعود المقال إلى سبعينيات القرن الماضي لشرح التحول الحالي. فمنذ ذلك الوقت بنت الولايات المتحدة شبكة واسعة من العلاقات الأمنية والسياسية شملت السعودية وقطر والإمارات والبحرين ومصر والأردن والمغرب وتركيا، وإسرائيل بصورة فعلية، مع أدوار خاصة لدول مثل الكويت وعُمان.
ساعد هذا النظام واشنطن على تحقيق ثلاثة أهداف أساسية: ضمان استمرار تدفق النفط، حماية أمن إسرائيل، ومنع ظهور قوة إقليمية أو تحالف قادر على تحدي الهيمنة الأميركية في المنطقة.
ويرى كوك أن ذروة هذا النظام ظهرت قبل نحو 35 عاماً، عندما نجحت الولايات المتحدة في تشكيل تحالف دولي واسع للدفاع عن السعودية وإنهاء الاحتلال العراقي للكويت.
لكن هذه المنظومة بدأت تتعرض لضغوط متراكمة.
لماذا تراجعت الثقة بواشنطن؟
لا يعزو الكاتب التحول إلى قرار أميركي واحد، بل إلى سلسلة من الأحداث التي دفعت حلفاء واشنطن إلى التساؤل عن مدى إمكانية الاعتماد عليها على المدى الطويل.
ويضع بينها غزو العراق عام 2003، والموقف الأميركي من احتجاجات الربيع العربي، وعدم التدخل بقوة لإسقاط نظام بشار الأسد، والموقف الأميركي المتحفظ من الحرب السعودية في اليمن، وعدم رد إدارة دونالد ترامب عسكرياً بصورة مباشرة على الهجوم الإيراني على منشآت النفط السعودية عام 2019، ثم تداعيات حرب غزة.
وتزامن ذلك مع نقاش متزايد داخل الولايات المتحدة نفسها حول تقليص الوجود الأميركي في الشرق الأوسط بعد تجربتي العراق وأفغانستان.
ظهرت كذلك فكرة مفادها أن ارتفاع إنتاج الولايات المتحدة من النفط والغاز يجعلها أقل حاجة إلى نفط الشرق الأوسط، وبالتالي أقل اضطراراً لتحمل تكاليف أمن المنطقة.
لكن كوك يرى أن هذا التصور ينطوي على مشكلة؛ فالنفط يباع في سوق عالمية، وبالتالي فإن اضطراب الإمدادات في الخليج يمكن أن ينعكس على الأسعار والمستهلك الأميركي حتى لو لم تستورد الولايات المتحدة النفط مباشرة من المنطقة.
المشكلة الأكبر: واشنطن أصبحت أقل قابلية للتنبؤ
يركز المقال بصورة خاصة على تغير السياسة الأميركية من إدارة إلى أخرى.
ففي عام 2015 أبرم باراك أوباما الاتفاق النووي مع إيران، ثم انسحب دونالد ترامب منه بعد ثلاث سنوات. كما تغيرت السياسة الأميركية تجاه الديمقراطية وحقوق الإنسان والعلاقات مع الحكومات العربية مراراً وفق الظروف والمصالح.
ويرى كوك أن قادة الشرق الأوسط كانوا في الماضي يستطيعون الاعتماد على قدر كبير من الاستمرارية في السياسة الأميركية، بينما أصبحوا الآن مضطرين للتعامل مع تحولات حادة بين رئيس وآخر.
وبحسب المقال، زاد أسلوب ترامب هذه المشكلة تعقيداً، ولا سيما خلال الصراع الحالي مع إيران، إذ انتقلت واشنطن بين استخدام القوة والتهديد بها والتفاوض.
ويقول الكاتب إن بعض شركاء واشنطن في المنطقة لا يحصلون دائماً على إنذار مسبق بهذه التحولات، في وقت يمكن أن يصبحوا هم أنفسهم أهدافاً لإيران رداً على التحركات الأميركية.
اتفاقات أبراهام كانت محاولة لإعادة بناء النظام
لم يكن تراجع النظام الأميركي، وفق المقال، مساراً مستقيماً.
فقد بدت اتفاقات أبراهام عام 2020 وكأنها تقدم نموذجاً جديداً للنظام الإقليمي، عبر تطبيع العلاقات بين إسرائيل والإمارات والبحرين والمغرب.
ثم ظهرت صيغة تعاون تجمع الولايات المتحدة والهند وإسرائيل والإمارات، قبل طرح مشروع الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC)، بالتوازي مع الحديث عن تطبيع سعودي-إسرائيلي.
كان من الممكن، بحسب كوك، أن تتحول هذه المشاريع إلى بنية إقليمية أكثر رسوخاً تقودها الولايات المتحدة.
لكن حرب غزة، والخلافات الإقليمية بشأن إسرائيل والسودان واليمن، ثم الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، أدت إلى تفكيك جزء كبير من تلك الحسابات.
لماذا السعودية تحديداً تبحث عن بدائل؟
هذه هي النقطة المركزية في المقال.
يرى كوك أن السعودية أصبحت أكثر قلقاً بشأن موثوقية المظلة الأميركية، ولذلك بدأت تبحث عن خيارات إضافية، ويضع اتفاق مكة في هذا السياق.
المسألة بالنسبة للرياض، في رأيه، ليست أن تركيا أو باكستان تستطيعان تعويض القوة العسكرية الأميركية؛ فمن الواضح أن قدراتهما لا تضاهي القدرات الأميركية.
لكن الرسالة الأعمق هي أن السعودية وشركاءها يريدون دوراً أكبر في تحديد قواعد النظام الإقليمي، بدلاً من ترك واشنطن تحددها وحدها.
ماذا تكسب تركيا وباكستان؟
بالنسبة إلى أنقرة وإسلام آباد، يقدم الاتفاق فرصة مختلفة.
فباكستان تستطيع من خلاله توسيع حضورها ونفوذها في الخليج في وقت تتنافس فيه مع الهند، بينما تحصل تركيا على نفوذ إضافي في المنطقة في ظل تنافسها وصدام مصالحها مع إسرائيل.
ويشير كوك أيضاً إلى وجود خلفية فكرية لدى بعض التيارات الإسلامية التركية تدعو منذ سنوات إلى إنشاء ما يشبه “ناتو إسلامي”.
ويذهب المقال إلى أبعد من الجانب العسكري، مشيراً إلى مقترحات سعودية-تركية لتغيير مسار جزء من مشروع الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا.
فبدلاً من انتقال البضائع من الأردن إلى إسرائيل ثم أوروبا عبر قبرص واليونان، يمكن وفق التصور الجديد تجاوز إسرائيل، بحيث يمتد المسار من السعودية إلى الأردن ثم سوريا وتركيا، ومنها إلى أوروبا.
إذا تحقق ذلك، فلن يكون اتفاق مكة مجرد مشروع دفاعي، بل يمكن أن يصبح جزءاً من إعادة تشكيل طرق التجارة والنفوذ الجيوسياسي في المنطقة.
هل يتشكل محوران في الشرق الأوسط؟
هنا يصل المقال إلى أكثر استنتاجاته إثارة.
يرى كوك أن الشرق الأوسط قد يتجه نحو نظام يقوم على كتلتين متنافستين: الأولى تضم الدول التي تظل ملتزمة باتفاقات أبراهام والبنية الإقليمية المرتبطة بها، والثانية تتشكل حول اتفاق مكة بين السعودية وتركيا وباكستان.
في الماضي، كانت الخلافات بين دول المنطقة تُحتوى جزئياً لأن العلاقة مع الولايات المتحدة كانت تشكل رابطاً مشتركاً بينها. أما الآن، فإذا مضت الرياض وأنقرة وإسلام آباد في بناء رؤية إقليمية تنافس النظام المرتبط باتفاقات أبراهام، فإن ذلك الرابط الأميركي لن يعود بالقوة نفسها.
هل انتهى فعلاً عصر الهيمنة الأميركية؟
هنا من المهم التفريق بين الوقائع وتحليل الكاتب.
المقال لا يقول إن الولايات المتحدة انسحبت من الشرق الأوسط أو فقدت قواعدها ونفوذها العسكري والاقتصادي والسياسي، كما أن تركيا والسعودية وباكستان لا تمتلك مجتمعة بديلاً كاملاً للقدرات العسكرية الأميركية.
بل إن أطروحة ستيفن كوك أكثر تحديداً: انتهت المرحلة التي كانت فيها الولايات المتحدة الطرف القادر منفرداً على تنظيم النظام الأمني الإقليمي، بينما كانت القوى المحلية تعمل في الغالب داخل الإطار الذي تقوده واشنطن.
ولهذا يختم باستنتاج قوي مفاده أنه بعد خمسة عقود، لم يعد من الممكن الحديث عن “نظام شرق أوسطي تقوده الولايات المتحدة” بالمعنى التقليدي.
واللافت أن مجلس العلاقات الخارجية يوضح أن هذا الطرح يمثل رأي الكاتب ستيفن كوك وحده، وليس موقفاً مؤسسياً للمجلس.
- ستيفن كوك خبير في الشؤون السياسية العربية والتركية، وكذلك في السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط. وهو مؤلف كتاب «نهاية الطموح: ماضي أميركا وحاضرها ومستقبلها في الشرق الأوسط»









