أوج24الدوحةمباشر
عاجل
00:00:00
سياسة وتحليلات

مدافع تهدم الأسوار وسفن تعبر اليابسة.. كيف أسقط محمد الفاتح القسطنطينية؟

مدافع تهدم الأسوار وسفن تعبر اليابسة.. كيف أسقط محمد الفاتح القسطنطينية؟

بعد أكثر من خمسة قرون على فتح القسطنطينية، يعود المؤرخ والأكاديمي اليوناني-الأميركي أنتوني كالديلس إلى واحد من أكثر الأحداث تأثيراً في التاريخ، عبر كتابه الجديد 1453: فتح القسطنطينية ومأساتها، الصادر هذا العام عن دار نشر جامعة أكسفورد، والذي توفرت نسخته المطبوعة في 4 أغسطس/آب الحالي.

الكتاب، الذي يقدم أول سرد تفصيلي جديد للحصار منذ نحو ستين عاماً، ذلك الحدث الذي وضع نهاية للإمبراطورية الرومانية الشرقية. ويعيد بناء وقائع الحصار بتفاصيل دقيقة، متتبعاً الأحداث يوماً بيوم كلما أمكن ذلك، ومستنداً إلى شهادات شهود عيان تركوا روايات مؤثرة باللاتينية والإيطالية واليونانية والروسية والتركية.

ويشير الكتاب إلى أن القسطنطينية، رغم تراجع قوتها السياسية والعسكرية، كانت لا تزال عشية الحصار مركزاً حيوياً للعلم والعبادة والتجارة وتبادل المعلومات. كما يرسم صورة للعالم المشترك الذي جمع الإيطاليين والأتراك والروم، قبل أن يدخل هذا العالم في أزمة حاسمة مع قرار السلطان محمد الثاني، المعروف بمحمد الفاتح، فتح المدينة.

ويوازن كالديلس بين الاستراتيجيات والخيارات المتاحة للمهاجمين والمدافعين، ليخلص إلى أن الدفاع عن القسطنطينية لم يكن قضية خاسرة منذ البداية كما قد توحي بعض الروايات اللاحقة. فالمدافعون، بحسب المؤلف، كانوا يدركون ما يفعلونه ويملكون خطة واضحة للدفاع عن المدينة. وقد خاطروا بحياتهم، لكنهم لم يكونوا يسعون إلى الموت أو التحول إلى شهداء، بل كانوا يأملون بالفعل في صد الهجوم والانتصار.

وعلى الجانب الآخر، كان السلطان محمد الثاني هو الذي يسابق الوقت ويبحث عن الوسائل اللازمة لاختراق منظومة دفاعية بدت عصية على الاقتحام. ويرى كالديلس أن نجاح السلطان في تجاوز تلك الدفاعات كان دليلاً على قدرته على الابتكار والمثابرة والتكيف مع العقبات التي واجهته أثناء الحصار.

وتتتبع الفصول الأخيرة من الكتاب مصير المهزومين بعد سقوط المدينة، بما في ذلك الأسر والاحتجاز، وكيف تمكن بعض الأسرى لاحقاً من استعادة حريتهم مقابل دفع الفدية. كما يبحث الكتاب في التأثير الذي تركه سقوط القسطنطينية على المنتصرين والمهزومين، وعلى التاريخ العالمي بصورة أوسع.

وبحسب كالديلس، لم يكن عام 1453 مجرد رمز لنهاية العصور الوسطى وبداية العصر الحديث؛ فقد أدى فتح القسطنطينية أيضاً إلى تغيير طبيعة الإمبراطورية العثمانية، وإعادة توجيه مسارات انتقال الموروث الثقافي والفكري، ولا سيما التراث العلمي والفكري الكلاسيكي.

ولهذا ينظر الكتاب إلى سقوط القسطنطينية باعتباره نقطة التقاء تاريخية كبرى: بين الشرق والغرب، وبين العصور الوسطى والعصر الحديث، وبين نهاية عالم وبداية عالم جديد.

ماذا حدث
في فجر 29 مايو/أيار 1453، انتهى حصار دام قرابة شهرين بسقوط القسطنطينية في يد السلطان العثماني محمد الثاني، الذي عُرف لاحقاً باسم محمد الفاتح. لم يكن الحدث مجرد انتصار عسكري، بل نقطة تحول أنهت الإمبراطورية البيزنطية التي اعتُبرت الامتداد الشرقي للإمبراطورية الرومانية، وفتحت الباب أمام مرحلة جديدة من التوسع العثماني في أوروبا.

لكن اختزال سقوط المدينة في «مدفع هائل» وحده يضلل الصورة. فالمصادر الأكثر رصانة تشير إلى مجموعة متداخلة من الأسباب: ضعف بيزنطة، تفوق العثمانيين العددي والتنظيمي، الحصار البحري والبري، استخدام المدفعية، المناورة بنقل السفن إلى القرن الذهبي، وتأخر المساعدات الأوروبية.

مدينة عظيمة.. وإمبراطورية أصبحت شبحاً من ماضيها

كانت القسطنطينية تتمتع بموقع استراتيجي فريد على مضيق البوسفور، عند نقطة التقاء أوروبا وآسيا. حمتها المياه من ثلاث جهات، بينما واجهت البر منظومة تحصينات شهيرة عُرفت باسم أسوار ثيودوسيوس.

وتشير الموسوعة البريطانية إلى أن الأسوار البرية امتدت نحو 6.5 كيلومترات، وبلغ ارتفاع بعضها نحو 12 متراً، بينما وصل سمك قواعدها إلى قرابة 5 أمتار. وظلت طوال قرون واحدة من أقوى منظومات الدفاع في أوروبا.

لكن خلف هذه الأسوار، كانت الإمبراطورية البيزنطية في حالة تراجع شديد.

فبحلول منتصف القرن الخامس عشر، تقلصت ممتلكاتها إلى القسطنطينية وبعض المناطق المحيطة بها، بعدما أضعفتها الصراعات الداخلية والحروب والاحتلال اللاتيني للمدينة خلال الحملة الصليبية الرابعة عام 1204، إضافة إلى التوسع العثماني المتواصل.

كما انخفض عدد سكان القسطنطينية من نحو 400 ألف في القرن الثاني عشر إلى ما بين 40 و50 ألفاً فقط بحلول خمسينيات القرن الخامس عشر.
رسم توضيحي يشرح حصار وسقوط القسطنطينية عام 1453، مسلطاً الضوء على الشخصيات والأسلحة والنتائج التاريخية للفتح.

لماذا أراد محمد الثاني القسطنطينية؟

تولى محمد الثاني العرش مجدداً عام 1451، وكان في أوائل العشرينيات من العمر.

ومن الناحية الاستراتيجية، كانت القسطنطينية تقع وسط مناطق النفوذ العثماني تقريباً، بين ممتلكات الدولة في البلقان والأناضول. وكان بقاؤها خارج السيطرة العثمانية يمثل فجوة جغرافية وسياسية داخل الدولة الآخذة في التوسع.

وتشير الموسوعة البريطانية إلى أن محمد بدأ استعداداته قبل الحصار بعام على الأقل، فبنى قلعة روملي حصار عند أضيق نقطة من البوسفور للسيطرة على الملاحة بين البحر الأسود والبحر المتوسط، كما استعان بصانع المدافع المجري أوربان لتطوير مدفعية قادرة على ضرب أسوار القسطنطينية.

المدفعية.. سلاح جديد أمام أسوار قديمة

يركز مقال موقع هستوري كوليكشن بشدة على الدور الذي لعبته المدافع الثقيلة، ولا سيما مدفع أوربان الضخم.

وتجمع المصادر على أن محمد الثاني استخدم مدفعية ثقيلة بصورة مكثفة. وبحسب بريتانيكا، كان الجيش العثماني مصحوباً بنحو 69 مدفعاً، وظلت المدفعية تقصف الأسوار بصورة شبه يومية طوال الحصار.

أما وصف مدفع أوربان بأنه وحده «حطم التاريخ» أو جعل «كل التحصينات في العصور الوسطى متقادمة فوراً»، فهو صياغة درامية أكثر منها خلاصة علمية دقيقة.

الأدق أن المدفعية الثقيلة غيّرت ميزان القوة تدريجياً ضد التحصينات الحجرية المرتفعة، لكنها لم تكن العامل الوحيد الذي أسقط المدينة.

تفوق عددي كبير

كان الفارق في القوى واضحاً.

تقدّر الموسوعة البريطانية القوات العثمانية بنحو 60 إلى 80 ألف جندي، مقابل 6 إلى 7 آلاف جندي مدرب فقط لدى البيزنطيين وحلفائهم، إلى جانب أعداد من المدنيين المسلحين.

ومن أبرز من وصلوا لمساعدة المدينة القائد الجنوي جيوفاني جوستينياني لونغو ومعه نحو 700 مقاتل، وقد عينه الإمبراطور قسطنطين الحادي عشر قائداً للدفاعات البرية.

لماذا لم تنجد أوروبا القسطنطينية؟

حاول الإمبراطور البيزنطي قسطنطين الحادي عشر الحصول على دعم من القوى المسيحية الغربية، لكن الاستجابة كانت محدودة ومتأخرة.

كانت العلاقات بين الكنيسة الأرثوذكسية في القسطنطينية والكنيسة الكاثوليكية في روما متوترة منذ الانشقاق الكبير عام 1054، ثم زاد الاحتلال اللاتيني للقسطنطينية عام 1204 من عمق العداء المتبادل.

وصل بعض الدعم من جنوة والبندقية، لكن الجزء الأكبر من القوات التي كان يُفترض أن تصل من البندقية تأخر حتى أصبح تأثيره محدوداً.

بداية الحصار

بدأ الهجوم العثماني في 6 أبريل/نيسان 1453.

قصف العثمانيون الأسوار بالمدفعية، لكن المدافعين نجحوا مراراً في إصلاح الأضرار خلال الليل، وإغلاق الثغرات بالتراب والخشب والمواد المتاحة.

وفي 7 أبريل/ نيسان شن العثمانيون هجوماً برياً مبكراً، لكن البيزنطيين صدوه. واستمرت المواجهة على هذا النمط أسابيع: قصف نهاراً، وترميم ليلاً.

السفن التي عبرت اليابسة

كانت إحدى أشهر مناورات محمد الثاني هي الالتفاف على السلسلة الحديدية التي كانت تغلق مدخل القرن الذهبي.

فبعد فشل الأسطول في كسر السلسلة مباشرة، أمر محمد بإنشاء مسار خشبي مدهون بالزيت، ونُقلت عبره سفن عثمانية صغيرة من البوسفور إلى القرن الذهبي.

وبحلول 22 أبريل/نيسان، نجحت السفن في تجاوز السلسلة والوصول إلى المياه خلفها، ما أجبر المدافعين على توزيع قواتهم على جبهة إضافية.

ويختلف المؤرخون في العدد الدقيق للسفن التي نُقلت، ولهذا من الأفضل عدم التعامل مع رقم «70 سفينة» بوصفه رقماً نهائياً لا خلاف عليه.

الهجوم الأخير

استمر القصف حتى فجر 29 مايو/أيار.

وقبيل الفجر، أطلق محمد الثاني هجوماً واسعاً جمع بين المدفعية والمشاة والقوات البحرية. صد المدافعون محاولتين أوليين، قبل أن يرسل السلطان وحدات من الإنكشارية في الهجوم الثالث.

وفي لحظة حرجة، أُصيب القائد الجنوي جوستينياني بجروح خطيرة ونُقل بعيداً عن الأسوار، ما أثر بشدة في معنويات المدافعين وأحدث ارتباكاً في صفوفهم.

بعد ذلك تمكنت القوات العثمانية من اختراق الدفاعات والسيطرة على أجزاء من الأسوار، وبدأ الانهيار يتسع.

ماذا حدث للإمبراطور قسطنطين؟

تفاصيل النهاية الدقيقة للإمبراطور قسطنطين الحادي عشر غير مؤكدة تماماً.

تقول روايات إنه قاتل إلى جانب جنوده وسقط في المعركة، بينما تذكر مصادر أخرى احتمالات مختلفة. ولم يُعثر على جثمان يمكن التعرف عليه بصورة قاطعة.

ولهذا تحولت نهايته بمرور الزمن إلى جزء من الذاكرة والأساطير المرتبطة بالسقوط.

ماذا حدث بعد دخول المدينة؟

وتشير الموسوعة البريطانية إلى أن محمد الثاني دخل كنيسة آيا صوفيا وحولها إلى مسجد، واتجه لاحقاً إلى إعادة إعمار المدينة وإسكانها بسكان من خلفيات دينية وإثنية متعددة، ثم نقل عاصمة الدولة العثمانية إليها، ورأى نفسه وريثاً للإمبراطورية الرومانية مستخدماً لقب «قيصر الروم».

ومن المهم هنا التمييز بين مرحلة الاقتحام الأولى، التي شهدت أعمال نهب وعنف، وبين السياسة اللاحقة لمحمد الثاني تجاه إعادة بناء المدينة وتحويلها إلى عاصمة للإمبراطورية.

53 يوماً أم 55 يوماً؟

هناك اختلاف بسيط بين المصادر في حساب مدة الحصار.

موقع هستوري كوليكشن يصفه بأنه استمر 53 يوماً، بينما تذكرالموسوعة البريطانية 55 يوماً.

والسبب عادة يعود إلى طريقة احتساب يوم البداية والنهاية والمرحلة العسكرية الفعلية. 

ماذا تغير بعد 1453؟

أنهى سقوط المدينة الإمبراطورية البيزنطية، ومنح الدولة العثمانية عاصمة ذات موقع استراتيجي بالغ الأهمية.

وتشير الموسوعة البريطانية إلى أن الدولة العثمانية أصبحت لاحقاً واحدة من أقوى دول العالم في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، وامتد نفوذها إلى أجزاء واسعة من جنوب شرق أوروبا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

أما في أوروبا، فقد أظهر الحصار بصورة واضحة أن التحصينات التقليدية باتت أكثر عرضة للمدفعية، وهو ما دفع تدريجياً إلى تطوير تصاميم دفاعية جديدة.

وماذا عن عصر النهضة؟

تربط روايات تاريخية عديدة سقوط القسطنطينية بانتقال علماء بيزنطيين إلى إيطاليا حاملين معهم معرفة باللغة اليونانية ومخطوطات كلاسيكية.

وتذكر الموسوعة البريطانية أن كثيراً من الباحثين ينظرون إلى هجرة اليونانيين إلى إيطاليا بعد السقوط باعتبارها إحدى العلامات الفاصلة بين نهاية العصور الوسطى وبداية عصر النهضة.

لكن من الأدق القول إن سقوط القسطنطينية ساهم في تسريع بعض تيارات النهضة الأوروبية، وليس أنه أنشأ عصر النهضة من الصفر؛ فالحركة كانت قد بدأت قبل 1453.

الخلاصة

كان فتح القسطنطينية نتيجة مزيج من التكنولوجيا والاستراتيجية والتفوق العسكري وضعف الخصم.

محمد الثاني لم يعتمد على مدفع واحد أو خطة واحدة: حصّن البوسفور، وحاصر المدينة براً وبحراً، واستخدم المدفعية باستمرار، ونقل السفن إلى القرن الذهبي، ثم استثمر التفوق العددي والضغط المتواصل حتى انهارت الدفاعات.

وفي 29 مايو/ أيار 1453 انتهت الإمبراطورية البيزنطية وبدأ فصل جديد من التاريخ العثماني، فيما تحولت القسطنطينية نفسها إلى مركز سياسي واقتصادي وثقافي لإمبراطورية ستستمر قروناً.

المصادر/ الموسوعة البريطانية- هستوري كوليكشن

كتب بواسطة

karimhussein06

فريق أوج24 التحريري يتابع الخبر ويضعه في سياقه بوضوح وسرعة.

اقرأ أيضاً

أخبار مرتبطة

اختيارات أوج24

قد يهمك أيضاً

شارك برأيك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.