أوج24الدوحةمباشر
عاجل
00:00:00
مقالات ورأي

ليس هناك مؤامرة أيها السادة

ليس هناك مؤامرة أيها السادة

في عام 2007، وبينما كان الاقتتال الطائفي ينهش أرواح الناس، ظهر رئيس الحكومة آنذاك نوري المالكي قائلا: “إن هناك تآمرًا على العراق ومحاولات للتدخل في شأنه الداخلي”. ثم عاد في العام 2014، بعد سقوط الموصل، وقال: “إن هناك مؤامرة إقليمية تعاونت معها قوى سياسية محلية”.

ثم في العام 2015، حذّر رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي من “مؤامرة خبيثة ضد العراق”. تلاه خلفه عادل عبد المهدي في تصريح عن احتجاجات تشرين، بأن هناك “مؤامرة في احتجاجات أكتوبر/ تشرين الأول عام 2019”.

ومنذ تلك اللحظة وإلى اليوم، صار الخطاب الحكومي والسياسي في البلد يقول: إن كل ما يحصل فيه مؤامرة. ففي كل حدث داخلي؛ من احتجاجات أو تصعيد أو ما يتعلق بالخدمات أو حصول مناكفات أو انسداد سياسي، عادة ما تُرفع راية “المؤامرة” خلف هذا الحدث، يرافقها خطاب إعلامي للتأسيس لهذه القصة: أن ثمة مؤامرة دائمًا. حتى مشاكلنا الاجتماعية، يخرج لنا محلل أو كاتب ليقول: إن هناك مؤامرة تستهدف المجتمع.

ومع هذه الخطابات التي استغلتها الكيانات السياسية في بورصتها الاقتصادية وتدوير المناصب فيما بينها، ظل خطاب “المؤامرة” وخطاب “الطائفة” يتصاعدان أيضًا، حتى اقتنع الناس أن هناك فعلاً مؤامرة على وجودهم ومؤامرة على هويتهم. وظل كل فريق يصطف إلى جانب الكيان الذي يمثله لكي ينسى ما يقترفه هذا الكيان، ولينشغل الناس بقصة المؤامرة والطائفة والخوف من الآخر، على مدى هذه السنوات الطويلة التي أكلت منا كل شيء.

في العام 2013، حين خرجنا في تظاهرات نطالب بالكهرباء وتواجهنا مع الأجهزة الأمنية في مناكفات ومناوشات دائمة، وُجّهت إلينا أصابع الاتهام في الإعلام بأننا نقف خلف “مؤامرة كبرى” للإساءة إلى سمعة البلد، وأننا نقف ضد عجلة الإعمار والإصلاح الجارية.

خطاب لا يخلو من الشيطنة
وفي التظاهرات التي جرت لاحقاً في سنوات 2015 و2018 وغيرها، وكانت كلها المطالب فيها خدمية، كان الناس يواجهون خطابًا لا يخلو من الشيطنة. وفي كل مرة تخرج قائمة وعود حكومية تظهر أمام الناس، لكنها تذهب فيما بعد إلى المزابل؛ لا يتم تنفيذ أي منها، بينما يبقى الناس في محرقة الأجواء الطاحنة في كل صيف.

أخيراً، وجد هذا الخطاب نفسه عاجزاً عن مجاراة وسائل التواصل الاجتماعي التي أصبحت تكشف كل شيء بسرعة. عجزت خطابات الأحزاب الإعلامية والسياسية عن التبرير لقصة “المؤامرة”. وعلى الرغم من أن الخطاب السائد يقول إن ثمة مؤامرة تُحاك، لكنه لم يجلب صدى ولا أثرًا. ففي حملة الاعتقالات التي تجريها الحكومة اليوم، وإن كانت حملة لا تمس الحيتان الكبيرة بل “الأسماك متوسطة الحجم”، انكشف كل شيء.

عرف الناس الذين عاشوا سنوات طويلة تحت خيمة “المؤامرة” و”المذهب” و”الطائفة” أن الحقيقة هي: ليس هناك مؤامرة، بل إن الأشخاص الذين تحدثوا بها كانوا هم “المؤامرة الكبرى” على المجتمع. الدولة التي تدمر نفسها لا تحتاج إلى تدخل إقليمي أو دولي؛ يكفي ما يفعله الكثير من الأشخاص ممن لديهم القدرة على صناعة القرار والتأثير في مسار إدارة الدولة.

شفط أموال الدولة
بعد اعتقال  وكيل وزارة النفط، عدنان الجميلي، وما ضُبط لديه من أموال، كان ذلك كافياً للناس ليعرفوا أن أموالنا وأحلامنا وحياتنا ومصيرنا كان يتوقف عند أشخاص مثل الجميلي وأشخاص آخرين كثيرين يشغلون مناصب مهمة في وزارات مهمة جداً. هؤلاء يبدأ الخراب بهم وينتهي بأشخاص آخرين يشبهونهم في شفط أموال الدولة.

يجب أن تكون هناك مراجعة لكل الأمثلة التي نحتذي بها في حياتنا اليومية. فعادة ما تكون “الوطنية ملاذ الفاسدين الأخير”، كما يقول أوسكار وايلد. وهذه بحد ذاتها أزمة أخلاقية تعكس لنا مدى فداحة ما فعله هؤلاء الذين تسنّموا مناصب مهمة في الدولة العراقية. كانوا يقومون بإيهام الناس والاحتيال عليهم بحجة الدين والمذهب من أجل الاستمرار والبقاء في أماكنهم بصفتهم “حماة المذهب”.

حماة بخطاب ديني رث، لا يقوم على التسامح بل على الكراهية، وهذا خلاف ما نؤمن ونعتقد به. حتى حينما حاولوا أن يقوموا بعملية إصلاح للمجتمع، استحدثوا وزارة خاصة وأطلقوا على حملتهم “المصالحة الوطنية”، لكنها انتهت بملف فساد هائل لم يحل المشكلة بل زاد من تعقيدها. اليوم، حتى لو فكرنا في حلول مثالية للخروج من مأزق الخطاب المذهبي، فإننا لا نستطيع.

لقد زرعنا أشخاصاً سيئين في مناصب مهمة وحساسة، وهؤلاء تغلغلوا إلى أبعد نقطة في إدارة النظام. هؤلاء هم من يصنعون الكوارث ويشيطنون الآخرين ويساهمون في صناعة خطاب كراهية وخطاب إعلامي يحرض ويدافع عنهم. والأكثر من ذلك، أصبحوا صناديق اقتصادية للأحزاب. وهؤلاء هم من يخبرون الناس أن كل من ينتقدهم تقف خلفه مؤامرة. وبمرور الأيام اكتشفنا أن هؤلاء هم من كان يصنع المؤامرة من أجل ترميم حياتهم الشخصية والعيش برفاهية، بينما الناس تحتضر من أجل لقمة العيش.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن كاتبها، ولا تعكس بالضرورة السياسة التحريرية لـ”أوج 24″.

كتب بواسطة

karimhussein06

فريق أوج24 التحريري يتابع الخبر ويضعه في سياقه بوضوح وسرعة.

اقرأ أيضاً

أخبار مرتبطة

من فقه الفرد إلى فقه الدولة
مقالات ورأي

من فقه الفرد إلى فقه الدولة

كريم محسن/ كاتب وإعلامي عراقي إعادة الجدل حول قانون الأحوال الشخصية وطرح سؤال المواطنة في العراق؟ ليست كل القوانين متشابهة؛ فبعضها ينظم شؤوناً إدارية…

منذ 1 monthأوج24
اختيارات أوج24

قد يهمك أيضاً

شارك برأيك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.