حين تتقاطع الإمبراطوريات.. لماذا يصبح العراق في قلب النار؟

لم يعد العراق اليوم مجرد دولة تتأثر بتداعيات الصراعات الإقليمية، بل تحول مرة أخرى إلى ساحة تتقاطع فيها خطوط النار بين القوى الكبرى في الشرق الأوسط.

مارس 13, 2026
40

العراق لم يعد مجرد دولة في قلب الشرق الأوسط، بل أصبح العقدة الأكثر تعقيداً في صراعاته (صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي)

ناجي الغزي/كاتب وسياسي عراقي

لم يعد العراق اليوم مجرد دولة تتأثر بتداعيات الصراعات الإقليمية، بل تحول مرة أخرى إلى ساحة تتقاطع فيها خطوط النار بين القوى الكبرى في الشرق الأوسط.

فالحرب التي اندلعت بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى لم تبقَ محصورة في حدود الدول المتحاربة، بل امتدت سريعاً إلى ساحات أخرى، وفي مقدمتها العراق الذي وجد نفسه في قلب المواجهة، رغم أنه ليس طرفاً مباشراً فيها. هذه التطورات تعيد إنتاج معادلة تاريخية عرفتها المنطقة مراراً: عندما تتصادم المشاريع الكبرى، يصبح العراق إحدى ساحات الصراع الرئيسية.

اتساع الضربات على العراق

مع بدء الضربات العسكرية التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، بدأت تداعيات الحرب تمتد سريعاً إلى داخل الأراضي العراقية. فقد أفادت تقارير ميدانية بأن الطائرات الحربية الأمريكية والإسرائيلية حلقت بكثافة في الأجواء العراقية فوق عدة محافظات، بما في ذلك مناطق جنوبية وأجزاء من العاصمة بغداد.

وبالتزامن مع الضربات على إيران، سُمع دوي انفجارات في مناطق متعددة، بينها محافظ وبغداد ، والانبار ، وكركوك، ما أثار مخاوف من اتساع نطاق العمليات العسكرية داخل العراق. وتشير المعلومات إلى أن قصفاً جوياً استهدف مقرات عسكرية تابعة للحشد الشعبي في منطقة جرف الصخر جنوب بغداد، وهي منطقة عسكرية حساسة. وأسفر الهجوم عن استشهاد مقاتلين اثنين من الحشد الشعبي وإصابة ثلاثة آخرين، إضافة إلى مقتل قيادي عسكري من كتائب حزب الله العراقي. كما شوهدت مخلفات صواريخ وبقايا مقذوفات في مواقع القصف، ما يؤكد وقوع ضربات مباشرة على تلك المقرات.

وفي شمال العراق، أدى قصف آخر في منطقة الدبس بمحافظة كركوك إلى مقتل خمسة من منتسبي الحشد الشعبي وإصابة ثمانية عشر آخرين. كما تعرضت مقرات للحشد الشعبي في محافظة الأنبار غرب البلاد، بينها مواقع قرب مدينة القائم على الحدود السورية، لضربات جوية أدت إلى تدمير بعض المقرات وسقوط قتلى وجرحى، في مؤشر واضح على اتساع العمليات العسكرية داخل العراق.

تصعيد عسكري في سماء العراق

بالتوازي مع هذه الهجمات، شهدت الأجواء العراقية نشاطاً عسكرياً مكثفاً. فقد أفادت تقارير ميدانية بأن الطيران الحربي العراقي حلق لفترات طويلة في سماء العاصمة بغداد في إطار حالة الاستنفار الأمني التي تعيشها البلاد.

كما سجلت تطورات أمنية أخرى في إقليم كردستان، حيث أعلنت مصادر أمنية عراقية أن الدفاعات الجوية اعترضت طائرة مسيّرة قرب مطار أربيل الدولي، في حادثة تعكس اتساع نطاق التوتر العسكري ليشمل شمال العراق أيضاً.

وفي بغداد، تم تفعيل منظومات الدفاع الجوي بعد استهداف قاعدة فيكتوريا الأمريكية الواقعة في محيط مطار بغداد الدولي.

وفي تطور آخر، تعرض مقر الدعم اللوجستي التابع للسفارة الأمريكية قرب مطار بغداد لهجوم صاروخي، حيث أفادت التقارير بأن رشقة صاروخية أطلقت من إيران استهدفت هذا الموقع ضمن سياق الرد الإيراني على الضربات الأمريكية والإسرائيلية.

هذه الأحداث تشير إلى أن العراق أصبح عملياً جزءاً من مسرح العمليات العسكرية في الحرب الإقليمية الدائرة.

عمليات إنزال عسكرية وغموض أمني

إلى جانب الضربات الجوية والهجمات الصاروخية، تحدثت تقارير ميدانية عن تحركات عسكرية أمريكية داخل الأراضي العراقية أثارت تساؤلات واسعة. ففي حادثة وقعت في المناطق الصحراوية بمحافظة كربلاء، رصد أحد الرعاة أثناء رعيه لمواشيه عملية إنزال مظلي لقوات أمريكية. وبعد إبلاغه السلطات المحلية، أرسلت إدارة المحافظة ثلاثة أفواج من الجيش العراقي للاستطلاع والتحقق من طبيعة الإنزال.

غير أن القوة العراقية تعرضت، بحسب إفادات أحد الجرحى، لهجوم من الطائرات الأمريكية قبل وصولها إلى موقع الإنزال بنحو ثلاثين كيلومتراً، ما أدى إلى إحراق عدد من عجلات الجيش من نوع «همر» الأمريكية التي كانت واشنطن قد زودت بها القوات العراقية سابقاً. وأسفر الهجوم عن استشهاد أحد الجنود وإصابة آخرين.

ولم تكن هذه الحادثة الوحيدة، إذ أشارت تقارير إلى تحركات عسكرية مشابهة في بادية السماوة وبادية النجف، إضافة إلى اشتباكات في مناطق مثل الموصل وجرف الصخر بين قوات أمريكية وفصائل من الحشد الشعبي.

وبعد فترة قصيرة عُثر على الراعي الذي أبلغ عن الإنزال مقتولاً وقد أُحرقت سيارته، ما أثار شبهات حول نشاط شبكات استخباراتية مرتبطة بجهات أجنبية. وطالبت جهات سياسية وإعلامية بفتح تحقيق شامل لكشف الجهة المسؤولة ومحاسبة المتورطين.

الحكومة العراقية بين الإدانة والضغوط

أدانت الحكومة العراقية الهجمات التي استهدفت مواقع داخل البلاد واعتبرتها انتهاكاً للسيادة الوطنية، إلا أن موقفها الرسمي ما زال حذراً في ظل تعقيدات العلاقة مع واشنطن. فالعراق يرتبط باتفاقيات أمنية مع الولايات المتحدة تنظم وجود قواتها، وكان يفترض أن يقتصر دورها على دعم العراق في مكافحة الإرهاب وتعزيز الاستقرار الأمني. لكن التطورات الأخيرة تكشف واقعاً أكثر تعقيداً، إذ أصبحت الأراضي العراقية جزءاً من التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران.

ويعكس ما يجري نمط الحروب غير المباشرة بين القوى الكبرى، حيث تتحول بعض الدول إلى ساحات لتصفية الصراعات. ويعد العراق من أبرز هذه الساحات بسبب موقعه الجغرافي بين إيران والخليج وسوريا وتركيا، إضافة إلى وجود قوات أمريكية ونفوذ سياسي وعسكري لفصائل قريبة من إيران، ما يجعله نقطة احتكاك دائمة بين المحاور المتصارعة.

ماذا يجب أن يفعله العراق؟

في ظل هذا التصعيد الخطير، يحتاج العراق إلى استراتيجية واضحة تقوم على عدة خطوات أساسية:

أولاً: حماية السيادة الوطنية: من خلال رفض أي عمليات عسكرية أجنبية خارج إطار الاتفاقيات الرسمية.

ثانياً: تعزيز سيطرة الدولة على القرار الأمني: فاحتكار الدولة للسلاح يعد شرطاً أساسياً لمنع تحويل العراق إلى ساحة حرب.

ثالثاً: فتح تحقيقات شفافة: خصوصاً في قضايا الاغتيالات والاختراقات الأمنية.

رابعاً: تفعيل الدور الدبلوماسي العراقي: لمنع امتداد الحرب الإقليمية إلى الداخل العراقي.

إن الأحداث الأخيرة تؤكد أن العراق ما زال يعيش تحت تأثير الجغرافيا السياسية المعقدة للشرق الأوسط. فالحرب التي بدأت بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران بدأت تتوسع لتشمل ساحات أخرى، والعراق يقف في مقدمة هذه الساحات.

فالعراق لم يعد مجرد دولة تقع في قلب الشرق الأوسط، بل أصبح العقدة الأكثر تعقيداً في صراعاته. ويبقى السؤال الأكبر: هل يستطيع العراق أن يخرج من دائرة هذه الصراعات، أم سيظل ساحة تتقاطع فيها الإمبراطوريات؟؟

المصدر: أوج 24

حول هذه القصة

بين مطرقة أميركا وسندان إيران: العراق على حافة صراع إقليمي

العراق فوق صفيح ساخن بسبب الازمات المتراكمة

حين تصمت الدولة تتكلم الشائعات.. لماذا يحتاج العراق إلى رواية رسمية يومية؟

اترك تعليقاً