حين تصمت الدولة تتكلم الشائعات.. لماذا يحتاج العراق إلى رواية رسمية يومية؟

مارس 5, 2026
23

المواطن العراقي يحتاج إلى رواية رسمية موثوقة تشرح أي تحركات عسكرية أو اعتداءات على البلد (وكالة الأنباء العراقية )

ناجي الغزي/كاتب وسياسي عراقي

في اللحظات التي تتسارع فيها الأزمات وتضيق فيها هوامش المناورة، لا يعود الخطاب الرسمي مجرد مسألة إعلامية، بل يتحول إلى جزء أساسي من منظومة الأمن الوطني. فالدول التي تواجه بيئة إقليمية مضطربة لا تدير المعركة في الميدان فقط، بل تديرها أيضاً في فضاء المعلومات والرواية العامة.

العراق اليوم يقف في قلب هذه المعادلة المعقدة. فالجغرافيا العراقية أصبحت نقطة تقاطع لقوى إقليمية ودولية متنافسة، فيما تتحرك على مقربة من حدوده وعلى أرضه أطراف متعددة، ما يجعل إدارة المعلومة السيادية مسألة لا تقل حساسية عن إدارة العمليات العسكرية نفسها.

من هنا تبرز الحاجة الملحّة إلى وجود ناطق عسكري رسمي يصدر بيانات يومية واضحة، يضع من خلالها الرأي العام أمام صورة دقيقة لما يجري على الأرض.

فالمواطن العراقي يحتاج إلى رواية رسمية موثوقة تشرح ما يحدث، سواء تعلق الأمر بأي تحركات أو إنزالات عسكرية أميركية، أو اعتداءات قد تستهدف الحشد الشعبي أو القوات الأمنية، أو أنشطة عسكرية يشتبه بانطلاقها من الأراضي العراقية – بما في ذلك إقليم كردستان – باتجاه دول الجوار.

إن ترك هذه الملفات الحساسة دون توضيح رسمي يفتح الباب واسعاً أمام مصادر خارجية أو معادية لتكون هي المرجع الوحيد للمعلومة. وفي مثل هذه الظروف، تتحول الشائعات والحرب النفسية إلى أدوات فعالة للتأثير في الرأي العام وإرباك الداخل.

ولهذا، فإن المرحلة الراهنة تفرض على الحكومة العراقية اعتماد خطاب شفاف وصريح يطمئن المواطنين ويؤكد أن الدولة تتابع التطورات الميدانية بدقة، وترصد كل المستجدات أولاً بأول.

فالصمت في أوقات الأزمات نادراً ما يُفهم على أنه حياد. وفي كثير من الأحيان يُقرأ باعتباره غياباً للموقف أو ضعفاً في إدارة الأزمة. كما أن تصفية الخلافات السياسية الداخلية عبر الاستقواء بالخارج لن تؤدي إلا إلى مزيد من التعقيد وإضعاف الجبهة الداخلية.

المطلوب اليوم حكومة تتصرف باعتبارها مظلة جامعة لكل العراقيين؛ تحمي أبناءها دون تمييز، وتدافع عن سيادة البلاد بحزم، ولا تتهاون مع أي انتهاك للأرض العراقية تحت أي ذريعة.

لكن المسؤولية لا تقع على عاتق الحكومة وحدها. فحجم المخاطر التي تلوح في الأفق يفرض أيضاً على القوى السياسية والفصائل والأحزاب مستوى أعلى من التنسيق والشعور بالمسؤولية الوطنية.

فالعراق يقف اليوم عند مفترق حساس من تاريخه، في قلب عاصفة إقليمية متسارعة. ولن يكون عبور هذه المرحلة ممكناً إلا عبر الحكمة، وضبط الخطاب، وتعزيز وحدة الموقف الداخلي.

المصدر: أوج 24

اترك تعليقاً