روسيا ليست الرابح الوحيد من حرب إيران.. لكنها الأذكى

مارس 19, 2026
13

روسيا لا تبيع النفط فقط، بل تشتري الوقت، وتعيد تثبيت نفسها لاعباً مركزياً في المعادلة الدولية (صورة بالذكاء الاصطناعي)

ناجي الغزي/ كاتب وسياسي عراقي

في لحظات التحول الكبرى، لا تسير الأزمات في مسارات منفصلة، بل تتقاطع لتصنع مشهداً أكثر تعقيداً مما يبدو على السطح. ما يجري اليوم ليس مجرد توتر إقليمي حول إيران، ولا مجرد اضطراب في أسواق الطاقة، ولا حتى مجرد محاولة روسية لكسر العزلة الدولية… بل هو تداخل عميق بين ثلاث ساحات تتحرك في وقت واحد: صراع داخلي إيراني على شكل الدولة وقرارها، وحرب طاقة تعيد رسم خرائط النفوذ الاقتصادي العالمي، وإعادة تموضع روسي ذكي داخل نظام دولي يتآكل من أطرافه.

في طهران، يتقدم القرار الأمني المتمثل بالحرس الثوري على القرار السياسي الذي يمثله تيار المحافظين، وسط غياب “ضابط إيقاع” يوازن بينهما. وفي الخلفية، تتحول الطاقة من سلعة إلى سلاح، حيث تصبح الممرات البحرية والحقول والمنشآت أدوات ضغط في لعبة أكبر من حدود الجغرافيا. أما في موسكو، فلا تبدو الحرب كخطر بقدر ما هي فرصة. فرصة لإعادة التموضع، لاستعادة دورها وتحويل الفوضى إلى نفوذ. روسيا لا تتحرك في قلب الحدث، لكنها تستثمر في ارتداداته، مستفيدة من كل اهتزاز في الأسواق وكل انقسام في المعسكر الغربي.

المشهد في طهران

في طهران، لا يُختزل الفراغ في غياب الأشخاص بقدر ما يعكس اختلالاً في التوازن. فالنظام السياسي الإيراني، بحكم بنيته العقائدية العميقة، لا ينهار بفقدان قياداته ورموزه، بل يميل إلى إعادة إنتاج ذاته بسرعة عبر تعددية مراكزه وتوافر البدائل. غير أن هذا التماسك البنيوي لا يمنع حدوث اضطراب في آليات صنع القرار.

رحيل شخصيات كانت تمسك بخيوط الربط بين المؤسسة الأمنية والواجهة السياسية، مثل الدكتور “علي لاريجاني”، لم يخلّف فراغاً إدارياً فحسب، بل أحدث خللاً في “هندسة القرار”. فقد كان يمثل حلقة وصل قادرة على ترجمة القوة العسكرية إلى قرارات سياسية محسوبة، وهو ما جعل غيابه يترك هذا الجسر في حالة اهتزاز واضحة.

على مستوى الواقع الميداني، تبرز مؤسسة الحرس الثوري، أكثر الكتل تماسكا، حيث تتحرك وفق منطق “التهديد والرد” بعيداً عن الحسابات السياسية التقليدية. في المقابل، يحاول التيار الإصلاحي، ممثلاً بشخصيات مثل: حسن روحاني وجواد ظريف والرئيس مسعود بزشكيان. إعادة تعريف دور الدولة لا إدارة الصراع. وهنا تتجلى المفارقة، دولة تُدار بمنطق عسكري متقدم، فيما تسعى السياسة إلى اللحاق بإيقاعها.

ظل موسكو: الحليف الذي لا يُرى

في هذا الفراغ، تدخل روسيا… لكن ليس كفاعل مباشر، بل كـ”قوة توجيه غير مرئية”. لا تحتاج أن تأمر، تكفي أن تتقاطع مصالحها مع مسار الأحداث. العلاقة بين موسكو والحرس الثوري ليست تحالفاً تقليدياً، بل تقاطع في الوظيفة: إيران تقاتل على الأرض، وروسيا تدير التوازنات من الخلف. لكن الأهم أن موسكو تدرك شيئاً أساسياً، أن أي فوضى في الطاقة… هي فرصة تاريخية لها.

العالم يرى الحرب كخطر… بينما روسيا تراها كسوق. حين يُهدد مضيق هرمز، أو تضطرب الإمدادات، ترتفع الأسعار، وترتبك الأسواق، وتبحث أوروبا عن بدائل. وهنا، تعود موسكو من الباب الذي أُغلِق بوجهها. بعد أن حاولت أوروبا التحرر من الغاز الروسي، تجد نفسها تحت ضغط الأزمة أمام معادلة قاسية: إما الطاقة الروسية… أو الانكماش الاقتصادي، روسيا هنا لا تحتاج حرباً طويلة. بل يكفيها 6 أسابيع فقط من الفوضى، وأسعار مرتفعة، وأسواق مضطربة

لتحقق: أرباحاً مالية مفاجئة في ظل رفع العقوبات. والأهم… هو عودتها بثقل سياسي إلى مركز اللعبة الدولية.

هل يُدفع بوتين الحرس الثوري نحو التصعيد؟

هنا ندخل المنطقة الأكثر حساسية في التحليل، بعض القراءات داخل إيران ترى أن: الحرس الثوري، في ظل غياب التوازن السياسي الداخلي، قد لا يُدفع صراحةً نحو التصعيد بقدر ما يُترك ليتحرك ضمن هامش يتقاطع موضوعياً مع المصالح الروسية.

علاقة الحرس الثوري مع روسيا، بقيادة فلاديمير بوتين، لا تقوم على توجيه مباشر بقدر ما تقوم على “هندسة بيئة استراتيجية” تشجع على مسارات معينة. فإيران، بدافع الردع وإثبات القدرة، تميل إلى استخدام أوراق الضغط المتاحة، وفي مقدمتها الطاقة والممرات البحرية الحيوية. وفي المقابل، تستفيد موسكو من أي اضطراب في تدفقات النفط والغاز، ومن أي خلخلة في سلاسل الإمداد العالمية.

بهذا المعنى، لا تحتاج روسيا إلى ممارسة ضغط مباشر، يكفي أن تتقاطع المصالح وتنسجم الحسابات. فالمسار المرجّح لا يتجه نحو حرب تقليدية، بل نحو تصعيد محسوب ضمن “حرب الطاقة”، ويتجلى عبر استهداف غير مباشر للبنى التحتية أو عبر تهديد الممرات الحيوية، وفي مقدمتها مضيق هرمز.

عند هذه المرحلة، لم يعد الخليج العربي مجرد مسرح للعمليات العسكرية، بل تحوّل إلى محور ارتكاز في صراع اقتصادي عالمي، حيث تصبح كل ناقلة نفط وكل منشأة طاقة، جزءاً من معادلة ضغط تتجاوز حدود الإقليم إلى قلب النظام الدولي

الإصلاحيون: محاولة “إعادة ضبط المصنع”

في هذا السياق، تحرك شخصيات مثل ظريف ليس عشوائياً. هو يدرك أن المشكلة لم تعد فقط في الخارج، بل في الداخل، القرار العسكري المتمثل بالحرس الثوري الإسلامي (جناح المحافظين) يتقدم على القرار السياسي المتمثل بـ (التيار الإصلاحي).

ولهذا، يظهر اتجاه لدفع شخصيات مثل روحاني إلى مواقع حساسة كـ (مجلس الأمن القومي)، في محاولة لإعادة التوازن. الهدف ليس إلغاء الحرس الثوري، وهذا مستحيل بل، إعادة إدخاله في إطار سياسي يمكن التحكم بإيقاعه. لأن الخطر الحقيقي ليس الحرب… بل حرب بلا قرار سياسي مركزي.

في القراءة السطحية، تبدو موسكو مستفيدة من ارتفاع أسعار الطاقة وإعادة توجيه صادراتها نحو آسيا، لكن في العمق، ما تحققه روسيا يتجاوز العائد المالي إلى توظيفٍ استراتيجي للأزمات متعددة الساحات.

الحرب في الشرق الأوسط، خصوصاً مع تصاعد التوتر مع إيران، لم تفتح فقط جبهة جديدة في النظام الدولي، بل أعادت توزيع الاهتمام والموارد الغربية بعيداً عن الساحة الأوكرانية. كلما طال أمد التصعيد، تراجع الزخم السياسي والعسكري الداعم لكييف، ما يمنح روسيا هامش مناورة أوسع لإدارة حربها بشروط أقل ضغطاً وأكثر مرونة.

أما في سوق الطاقة، فقد كشفت الأزمة عن مفارقة حادة في السلوك الدولي. الولايات المتحدة، التي قادت حملة لعزل النفط الروسي، وجدت نفسها مضطرة لمنح إعفاءات مؤقتة لتفادي صدمة الإمدادات. وفي المقابل، عادت دول مثل الهند لشراء كميات كبيرة من النفط الروسي بأسعار تفضيلية لتعويض النقص القادم من الخليج، ما يعكس تحوّل الأسواق من الالتزام السياسي إلى البراغماتية الصرفة.

خلال فترة وجيزة، تدفقت عشرات الملايين من البراميل نحو المشترين الآسيويين، مولّدة لموسكو إيرادات يومية ضخمة تُقدّر بمئات الملايين. ومع ذلك، تبقى القيمة الحقيقية لهذه الأزمة في بعدها الجيوسياسي، إذ لا تبيع روسيا النفط فقط، بل تشتري الوقت، وتعيد تثبيت نفسها لاعباً مركزياً في معادلة دولية تعاد صياغتها تحت ضغط الفوضى.

المصدر: أوج 24

حول هذه القصة

بالإنفوغراف.. هكذا تستخدم إيران مضيق هرمز للضغط على خصومها؟

ضرب جزيرة خرج.. هل بدأت الحرب تستهدف شريان النفط الإيراني؟

هل يتغير ميزان القوة العالمي؟ 6 تطورات صينية تكشف ما يجري خلف الكواليس

اترك تعليقاً