سيناريوهات اقتحام نخبة المارينز لفتح مضيق هرمز
الكاتب يرى أن ما يجري حاليًا تصعيدًا تفاوضيًا أكثر منه حرب حسم نهائي (صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي)
ناجي الغزي / كاتب وسياسي عراقي
مع تصاعد الحرب بين أميركا وإيران، لم يعد الصراع مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل تحوّل إلى عقدة استراتيجية تختصر التنافس على شريان الطاقة العالمي والنفوذ الدولي. فمضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو ثلث تجارة النفط المنقولة بحرًا، أصبح ساحة مواجهة مفتوحة بين واشنطن وحلفائها من جهة، وطهران من جهة أخرى. وبعد استهداف جزيرة خرج، القلب النفطي لإيران، ارتفع سقف التهديدات بإغلاق المضيق عبر مراحل متدرجة تبدأ بما تسميه طهران “الإغلاق الذكي”، وقد تنتهي، إذا استمر التصعيد، بمحاولة إغلاق عسكري كامل لأهم ممر نفطي في العالم.
هذا التحوّل يعكس انتقال الحرب من الضغط العسكري المباشر إلى استهداف العصب الاقتصادي للطرف الآخر. وفي هذا السياق، يبرز الحديث عن إرسال وحدات استكشافية من مشاة البحرية الأميركية (المارينز) بالتزامن مع تحرك القاذفات الاستراتيجية بي -2 B-2، في إشارة إلى احتمال الانتقال نحو عمليات بحرية محدودة لتأمين الملاحة. غير أن هذا التحرك يعكس أيضًا مأزقًا استراتيجيًا يواجه الرئيس الأميركي بين خيار الانسحاب، بما يضر بالهيبة الأميركية، أو الانخراط في حرب طويلة مع إيران.
أولًا: مأزق القرار الأميركي
تواجه الإدارة الأميركية معضلة كلاسيكية في إدارة الحروب الكبرى: فالحرب أسهل في إشعالها من إطفائها. وبعد الضربات الواسعة التي استهدفت البنية العسكرية الإيرانية، باتت واشنطن أمام ثلاث حقائق صعبة:
1- الانسحاب الكامل سيُفسَّر بوصفه فشلًا استراتيجيًا، ويمنح إيران نصرًا سياسيًا ومعنويًا.
2- التصعيد الشامل قد يفتح الباب أمام حرب إقليمية طويلة في الخليج.
3- العمليات المحدودة قد تتحول تدريجيًا إلى تورط أعمق من دون تحقيق حسم.
ومن هنا يمكن فهم فكرة الإنزال البرمائي المحدود على جزر المضيق بوصفها محاولة لخلق إنجاز رمزي سريع من دون الانزلاق إلى حرب برية واسعة.
ثانيًا: طبيعة القوة التي قد تُستخدم
القوة التي يجري الحديث عنها ليست تشكيلًا تقليديًا، بل وحدة استكشافية من المارينز يتراوح قوامها بين ألفَي جندي وألفين وخمسمئة، وتتمركز عادة على سفن برمائية قادرة على تنفيذ عمليات إنزال سريع. وتمتلك هذه القوة عدة أدوات رئيسية:
مقاتلات إف – 35 بي F-35B القادرة على الإقلاع العمودي من السفن البرمائية.
طائرات في -22 أوسبري V-22 Osprey القادرة على نقل القوات بسرعة كبيرة بين البحر والبر.
مروحيات هجومية وطائرات من دون طيار للاستطلاع.
مدرعات خفيفة ووحدات هندسية لتأمين الشواطئ والمرافئ.
لكن حتى لو نجحت الولايات المتحدة في إنزال قواتها والسيطرة على جزيرة ما، يبقى السؤال الأهم: كيف ستحتفظ بها؟ فالسيطرة العسكرية المؤقتة لا تعني القدرة على الدفاع المستمر. إذ يمكن حصار الجزر الصغيرة بسهولة عبر القصف الصاروخي، والمسيّرات، والزوارق السريعة، ما قد يحوّل القوات الأميركية إلى قوة محاصرة داخل جزيرة معادية.
ثالثًا: السيناريوهات المحتملة لعملية الإنزال
1- السيطرة على الجزر المفتاحية
يقوم هذا السيناريو على الإنزال في إحدى الجزر المسيطرة على المضيق، مثل قشم أو هرمز أو الجزر المتنازع عليها. والهدف هنا نشر رادارات وأنظمة دفاع جوي، وتدمير منصات الصواريخ الساحلية، وتحويل الجزيرة إلى قاعدة مراقبة للملاحة. وميزة هذا السيناريو أنه لا يتطلب دخول الأراضي الإيرانية الرئيسية، لكنه يحقق سيطرة نارية على المضيق.
2- ضرب منصات الصواريخ الساحلية
في هذا السيناريو، تستخدم قوات المارينز عمليات إنزال محدودة وسريعة على الساحل الإيراني نفسه لتدمير منصات إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة. وقد تستمر العملية ساعات أو أيامًا فقط، وتشمل إنزال قوات خاصة، وتدمير البطاريات الصاروخية، ثم الانسحاب السريع. غير أن هذا السيناريو أكثر خطورة، لأنه يعني دخول الأراضي الإيرانية مباشرة.
3- حماية الملاحة فقط
هنا لا يجري إنزال واسع على اليابسة، بل تقتصر المهمة على مرافقة ناقلات النفط، وإزالة الألغام البحرية، وإسقاط المسيّرات والصواريخ. وقد تُستخدم قوات المارينز فقط لحماية السفن أو لتنفيذ عمليات خاصة ضد مواقع محددة. ويُعد هذا السيناريو الأقل تصعيدًا، لكنه يتطلب تفوقًا جويًا وبحريًا كاملًا.
4- السيطرة على جزيرة خرج
يُعد هذا السيناريو الأكثر حساسية سياسيًا، لأن جزيرة خرج تمثل مركز تصدير النفط الإيراني، والسيطرة عليها تعني خنق الاقتصاد الإيراني. لكن تنفيذ عملية كهذه يكاد يرقى إلى مقامرة عسكرية كبرى، نظرًا إلى حساسية الموقع وأهميته الاستراتيجية، لذلك يُعد من أبعد السيناريوهات احتمالًا، إلا إذا تطورت الحرب على نحو كبير.
رابعًا: المخاطر العسكرية للعملية
رغم التفوق العسكري الأميركي، فإن مسرح العمليات في مضيق هرمز يمثل بيئة قتالية شديدة التعقيد:
الجغرافيا الضيقة: إذ يقل عرض المضيق في بعض مناطقه عن 40 كيلومترًا، ما يجعله ميدانًا مثاليًا للصواريخ الساحلية.
الألغام البحرية: تمتلك إيران ترسانة كبيرة من الألغام التي يمكن زرعها بسهولة في المياه الضحلة.
المسيّرات الانتحارية: تستطيع الدرونات الإيرانية ضرب السفن والقواعد الصغيرة بكلفة منخفضة.
قرب الساحل الإيراني: أي قوة أميركية تنزل على الجزر ستكون ضمن مدى الصواريخ الإيرانية قصيرة المدى.
خامسًا: الهدف الحقيقي من إرسال المارينز
لا تتعلق الرسالة الاستراتيجية فقط بالقتال، بل أيضًا بالردع. فإرسال هذه القوة يحمل ثلاث رسائل واضحة:
طمأنة أسواق الطاقة العالمية إلى أن المضيق لن يبقى مغلقًا.
الضغط على إيران عسكريًا لإجبارها على التراجع.
منع تحوّل الأزمة إلى حصار اقتصادي عالمي.
وقد تحقق العملية صورة إعلامية للنصر وتهدئة مؤقتة للأسواق، لكنها قد لا تغيّر الواقع العسكري على الأرض. وهنا تبرز المفارقة: قد تمنح هذه العمليات واشنطن إنجازًا تكتيكيًا قصير الأمد، لكن من دون ضمان إنهاء الحرب من غير خسارة الهيبة الأميركية أو الانزلاق إلى صراع طويل. ففي الشرق الأوسط، كثيرًا ما تبدأ الحروب بضربة خاطفة، لكن نهايتها تكون غالبًا أكثر تعقيدًا من بدايتها.
سادسًا: الحرس الثوري واستراتيجية الرد
في المقابل، يبدو أن إيران اختارت الرد عبر استراتيجية الاستنزاف الصاروخي. فالهجمات المكثفة على إسرائيل تحقق عدة أهداف: إبقاء الجبهة الإسرائيلية مشتعلة، واستنزاف منظومات الدفاع الجوي مثل القبة الحديدية وحيتس، ورفع الكلفة الاقتصادية للحرب. وحتى إذا جرى اعتراض معظم الصواريخ، فإن مجرد إطلاقها بكثافة يفرض على إسرائيل استخدام صواريخ اعتراضية باهظة الكلفة. وهذا يعكس فلسفة عسكرية واضحة لدى إيران تقوم على الحرب غير المتكافئة.
ورغم كل هذا التصعيد، يبقى السؤال الاستراتيجي الأكبر: هل يمكن حسم حرب كهذه بضربة واحدة؟ التجارب التاريخية تشير إلى أن ذلك نادر الحدوث، ولا سيما في صراع مع دولة كبيرة مثل إيران، تمتلك مساحة جغرافية واسعة، وشبكة قواعد صاروخية موزعة، وحلفاء إقليميين، وقدرة على تهديد مضيق هرمز. لذلك، قد يكون ما يجري حاليًا تصعيدًا تفاوضيًا أكثر منه حرب حسم نهائي.