ملفات جيفري إبستين أسماءٌ ثقيلةٌ تحتَ المجهر
من هو جيفري ابستين… الرجل الذي أوقع في حبائله الرؤساء، والوزراء، والسفراء، والأكاديميين، وعشرات غيرهم من أصحاب القرار، والمال، والاعمال، والتكنلوجيا؟! لماذا أفلت من العدالة قرابة ٤٥ عاما؟!وهل كان، حقا، عميلا للموساد؟
جبار جعفر
في عالمٍ تتقاطعُ فيه السّلطةُ بالثّروةِ، وتتشابكُ فيهِ المصالحُ معَ النّفوذِ، يبرزُ اسمُ جِيفري إبستين بوصفِهِ إحدى أكثرِ الشّخصيّاتِ إثارةً للجدلِ في القرنِ الحادي والعشرين. رجلٌ صعدَ من هوامشِ المجتمعِ الماليِّ إلى قممِ شبكاتِ النُّخَبِ السّياسيّةِ والاقتصاديّةِ، قبلَ أن يتحوّلَ إلى لغزٍ قضائيٍّ وأمنيٍّ ما زالت تداعياتُهُ تتردّدُ في العواصمِ الغربيّةِ.
قصّتُهُ ليست مجرّدَ سيرةِ شخصٍ، بل نافذةٌ على منظومةٍ معقّدةٍ من العلاقاتِ الخفيّةِ، والامتيازاتِ غيرِ المُعلَنةِ، والأسئلةِ التي لم تجدْ بعدُ إجاباتٍ قاطعةً: كيفَ أفلتَ من المساءلةِ عقودًا؟ ولماذا تداخلَ اسمهُ معَ دوائرِ القرارِ العالميِّ إلى هذا الحدّ؟ وما الذي بقيَ طيَّ الكتمانِ في ملفّاتٍ لم تُغلقْ تمامًا؟
فلم تكن محض صدفة ان تصطاد شباك جفري ابستين، سمسار الاتجار بالقاصرات، هذا العدد من الشخصيات البارزة والنافذة دون ان يكون هنا تخطيط مسبق لجهة استخبارية كبيرة يعتبر تسخير البغايا احدى اهم وسائلها لاصطياد أهدافها
يحتاج الغوصُ في العالم المبهم والمتشابك لهذا الرجل، الذي استهلّ حياتَه المهنية بالكذب والتزوير، إلى أناةٍ وصبرٍ لفكّ رموزه؛ بسبب علاقاته المتشعّبة التي تجاوزت حدود نيويورك، المدينة التي وُلد فيها، بل حدودَ أميركا أيضًا، لتمتدّ إلى أوروبا وأستراليا وأفريقيا والشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا.
في بداية حياته، زوّر تاريخَ ميلادِه مدّعيًا أنّه وُلد عام 1950 بدلًا من 1953. كما تُظهر وثائقُ نشرتها وزارةُ العدل بموجب قانون شفافية “ملفات جيفري إبستين” أنّه زوّر بياناتِ عملٍ، إذ ادّعى أنّه عمل محاضرًا في جامعة “يو سي بيركلي” بولاية كاليفورنيا، لكن الوثائق تشير إلى عدم وجود أي سجلٍّ لتوظيفه في الجامعة.
في عام 1953، وُلد جيفري لعائلةٍ يهوديةٍ متواضعة في حيٍّ يهوديٍّ ببروكلين في ولاية نيويورك. تلقّى تعليمَه في المدارس العامة، وكان شغوفًا بالرياضيات، متفوّقًا فيها، وحاز إشادةَ الطلاب والمعلمين على حدٍّ سواء. التحق بالجامعة لكنه لم يُكمل دراسته، وبدلًا من ذلك عمل مدرّسًا للرياضيات في مدرسة “دالتون” الثانوية بمانهاتن في مدينة نيويورك عام 1974، لكنه لم يستمرّ سوى عامين قبل أن يُفصل لتقصيره في أداء واجباته الأكاديمية.
تمتّع بشخصيةٍ جذّابة وقدرةٍ على بناء العلاقات. التقى بوالد إحدى طالباته، وكان مديرًا في شركة الاستثمار المصرفية “بير ستيرنز”، ما ساعده على الحصول على وظيفةٍ فيها بعد فصله من المدرسة. عمل في الشركة خمس سنوات حتى عام 1981. وخلال تلك الفترة واصل توسيع شبكة علاقاته، بما قاده لاحقًا إلى مشكلاتٍ واتهاماتٍ بالاحتيال والتورّط في معاملاتٍ مشبوهة. أُوقف عن العمل 60 يومًا وغُرّم 2500 دولار بسبب انتهاكاتٍ متعدّدة للوائح الشركة، كما تُظهر الوثائق. وفي 12 آذار/مارس 1981، استقال إبستين من “بير ستيرنز”.
https://x.com/n_alharbi112/status/2021459819467886626
بعد تركه العمل المصرفي، أسّس شركةً استشارية للأثرياء، واستمرّ في العمل معهم، متعمّقًا في معرفة دوائرهم وبانيًا علاقاتٍ متينةً معهم. خلال تلك الفترة تعرّف إلى أولى علاقاته العاطفية البارزة: ملكة جمال السويد إيفا أندرسون التي انتقلت إلى نيويورك، واستمرّت علاقتهما عشر سنوات.
في عام 1991 انتهت علاقته بإيفا أندرسون وديًّا ومن دون مشكلات، إذ ارتبطت بملياردير يُدعى غلين دوبين، ويُقال إنّ جيفري نفسه ساعد صديقتَه على الانتقال للعيش مع الملياردير. وكانت تلك إشارةً مبكّرة إلى أنّ “السمسرة” في الجنس لا تتنافى مع أخلاق جيفري إبستين.
بعد عام 1991، التقى جيفري بامرأة تُدعى غيسلين ماكسويل، وهي من عائلةٍ يهودية، وابنةُ الروائي روبرت ماكسويل الذي اتُّهم—ولفترةٍ طويلة—بأنّه كان عميلًا للموساد. منذ تلك المرحلة بدأت أغرب الفصول في حياة جيفري وغيسلين، حين شرعا معًا في استدراج فتياتٍ قاصرات واستغلالهن، وتقديم هذا النوع من “الترفيه” للأثرياء وكبار الشخصيات. ويرى كاتبُ هذه السطور أنّ والد غيسلين قد هيّأ جيفري للعمل لصالح الموساد.
سارت الأمور بسلاسة: ضحايا صامتات يُستدرجن ويُرهَّبن، وعدد المستفيدين يتّسع، والأعمال تتمدّد، والأموال تتزايد.
من هم “الأربعة الكبار” الذين كانوا وراء بلوغ إبستين القمّة؟
في بدايات مسيرة جيفري إبستين المهنية، يُشار إلى أربعة رجال أعمالٍ يهود بارزين ومرشدين له، بوصفهم الشخصيات الرئيسية التي وفّرت له فرصًا مهنية، وعلاقاتٍ اجتماعية رفيعة المستوى، ودعمًا ماليًا كبيرًا:
-
آلان آيس غرينبيرغ: الرئيس التنفيذي لشركة “بير ستيرنز”، الذي منحه فرصته الكبرى الأولى في منتصف سبعينيات القرن الماضي. وعلى الرغم من تزوير إبستين لسيرته بشأن حصوله على شهادةٍ جامعية، فإنّ غرينبيرغ وظّفه بعدما أعجب بذكائه وقدراته الرياضية.
-
ليزلي ويكسنر: الملياردير ومؤسس “إل براندز” (فيكتوريا سيكريت). كان الداعم المالي الأهم لإبستين منذ أواخر الثمانينيات؛ منحه توكيلًا رسميًا واسعًا لإدارة ثروته، ومنحه أصولًا بينها قصره في نيويورك، قبل أن يواجه ويكسنر لاحقًا تدقيقًا متجدّدًا بشأن علاقتهما.
-
ليون بلاك: المستثمر الملياردير والمؤسس المشارك لشركة “أبولو غلوبال مانجمنت”، ومن أوائل عملاء إبستين الماليين البارزين. وتشير تقارير إلى أنّ بلاك دفع لإبستين 158 مليون دولار مقابل “استشارات” على مدى سنوات، مع نفيه العلم بجرائمه.
-
مورت زوكرمان: قطب عقاري وإعلامي ومالك “US News & World Report” ورئيس سابق لمؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الأمريكية الكبرى. كان جزءًا من شبكة النخبة الاجتماعية والمهنية التي دعمت صعود إبستين، ضمن ما وُصف بـ“مجموعة ميغا” الحصرية.
امتلك جيفري أفخم المنازل والقصور، واليخوت والطائرات الخاصة، وجزيرةً خاصة في الكاريبي تُعرف بـ“ليتل سانت جيمس” (جزيرة إبستين) ضمن جزر فيرجن الأميريكية، ومُجهّزة لإقامة حفلاتٍ خاصة لكبار الشخصيات، حيث استُغلّت مئات الفتيات القاصرات.
بداية السقوط
بدأت أول شكوى ضد إبستين عام 1996، حين توجّهت ماريا فارمر إلى الشرطة للإبلاغ عن تعرّضها لاعتداءٍ جنسي في منزله. غير أنّ نفوذ إبستين ساعد على التستّر على القضية وإغلاقها بلا تبعات تُذكر.
واصل إبستين أنشطته وتوسّعت أعماله وشبكة شركائه، وساعدته غيسلين في الاستدراج والإقناع والترتيبات. ولم تظهر مشكلةٌ كبرى حتى عام 2005، حين تلقّت شرطة “بالم بيتش” بفلوريدا بلاغًا من والدة فتاةٍ عمرها 14 عامًا عن استغلال ابنتها ماليًا وجنسيًا. حقّقت الشرطة وأعدّت تقريرًا جاء فيه أنّ الأم أفادت بتلقّي ابنتها ما بين 200 و300 دولار مقابل “تدليك” رجلٍ ثريّ (تبيّن لاحقًا أنّه إبستين) في منزله بشارع “إل بريلو”، قبل أن يتطوّر الأمر إلى ممارساتٍ جنسية.
هنا تدخّلت وسائل الإعلام. تحوّلت القضية إلى رأيٍ عام، وظهرت حالاتٌ مماثلة. تشجّع المزيد من الضحايا على الإبلاغ، واتّسعت الدائرة حتى قيل إنّ عدد الضحايا بلغ نحو 250.
في عام 2007، وقبل النطق بالحكم على إبستين، مُنح حصانةً فيدرالية عبر تسويةٍ شملت تعويضاتٍ لـ35 ضحية، وأُغلقت القضية عام 2008. وعلى الرغم من الأدلة التي جمعتها الشرطة المحلية بين 2005 و2006، انتهت المسألة إلى صفقة إقرارٍ بالذنب عام 2008، وصفها لاحقًا رئيس شرطة بالم بيتش مايكل رايتر بأنها “أسوأ فشلٍ لنظام العدالة الجنائية”.
عام 2010، سوّى إبستين عددًا من الدعاوى المدنية. وفي 2015 رفعت فيرجينيا روبرتس جوفري دعوى ضد غيسلين ماكسويل بتهمة التشهير، بعد أن وصفتها ماكسويل بالكاذبة حين قالت إنها ضحيةُ “مؤامرةٍ جنسية” تديرها ماكسويل وإبستين.
استمرّ إبستين حتى أُلقي القبض عليه مجددًا في تموز/يوليو 2019 بتهمة الاتجار الجنسي بالقاصرين. وفي آب/أغسطس عُثر عليه ميتًا في مركز “متروبوليتان” الإصلاحي بمانهاتن. خلص الطبيب الشرعي في مدينة نيويورك لاحقًا إلى أنّه انتحر، لكن محاميه وشقيقه أبديا شكوكًا كبيرة في الرواية الرسمية، خاصةً مع القصور في البروتوكولات الأمنية رغم احتجازه في وحدةٍ خاصة. وبينما تبقى فرضية الانتحار هي الخلاصة الرسمية، ظلّت فرضية “التصفية” حاضرة في الجدل العام، غالبًا بالاستناد إلى علاقاته الواسعة مع شخصياتٍ نافذة.
بعد وفاته، طالب أعضاء في الكونغرس بنشر الملفات المرتبطة بقضيته. وتحوّلت “ملفات إبستين” إلى عنوانٍ دائم للفضول السياسي والإعلامي، مع ظهور أسماءٍ ثقيلة—من رؤساء سابقين وحاليين، إلى شخصياتٍ مالية وتكنولوجية وأكاديمية—حتى عندما لم تُوجَّه اتهامات موثّقة لبعضهم من قبل الضحايا، لكن التدقيق العام لم يتوقف.
أما الأمير أندرو، فقد زعمت فيرجينيا جوفري أنّها تعرّضت للاتجار بالبشر لصالحه في لندن ونيويورك وجزر فيرجن. ورغم تسويةٍ مدنية عام 2022 من دون إقرارٍ بالمسؤولية، جُرِّد لاحقًا من ألقابه الملكية، واستمرّت قضيته محلّ متابعةٍ إعلامية وقانونية.
علاقة إبستين بإسرائيل
لا يوجد دليلٌ قاطع على أنّ جيفري إبستين كان عميلًا لإسرائيل. لكنّ وثائقَ قيل إنّها كُشف عنها حديثًا أعادت إحياء هذه الفرضية، في مقابل نفيٍ رسميّ إسرائيلي صريح. وبين النفي والادّعاءات، تظلّ بعض المؤشرات—مثل التبرعات لجماعاتٍ مرتبطة بإسرائيل، والعلاقة الطويلة مع إيهود باراك—جزءًا من سرديةٍ تتغذّى على الغموض أكثر مما تستند إلى حسمٍ قضائيّ.
حتى لحظة كتابة هذه السطور، ما تزال معلوماتٌ جديدة تظهر بين حينٍ وآخر، وتطفو أسماءٌ إضافية على السطح، في ملفٍّ لم يُغلق اجتماعيًا وإعلاميًا، مهما قيل إنّه أُغلق قانونيًا. ويبقى السؤال: كيف استطاع هذا “السمسار” أن يجمع هذا العدد من رجال السياسة والمال والأعمال والتكنولوجيا حوله—وأن يظلّ طويلًا خارج دائرة الحسم—إن لم تكن وراء الشبكة قدراتٌ أكبر من رجلٍ واحد؟