5 حقائق تشرح لماذا تتحوّل المواجهة مع إيران إلى حرب استنزاف

مارس 14, 2026
144

جوهر الصراع بات يعتمد على من يستطيع الصمود لفترة أطول وفرض كلفة أعلى على خصمه (صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي)

ناجي الغزي / كاتب وسياسي عراقي

مع دخول الحرب يومها الرابع عشر، يتضح أن المواجهة لم تعد مجرد تبادل للضربات العسكرية بين إيران وإسرائيل، بل تحولت تدريجياً إلى حرب استنزاف متعددة الساحات، تسعى طهران من خلالها إلى إعادة تشكيل قواعد الاشتباك في المنطقة.

فبعد عقود طويلة اعتمدت فيها إيران على استراتيجية حروب الوكالة عبر حلفائها الإقليميين، يبدو أن المرحلة الحالية تمثل تحولاً لافتاً في العقيدة العملياتية لما يُعرف بمحور المقاومة، إذ يجري للمرة الأولى تنفيذ عمليات منسقة ومتزامنة تجمع بين الضربات الصاروخية، والطائرات المسيّرة، والعمليات البحرية، والحرب السيبرانية، ضمن إطار عملياتي واحد.

هذه المقاربة الجديدة لا تستهدف تحقيق نصر عسكري سريع، بقدر ما تسعى إلى رفع كلفة الحرب إلى مستويات قد لا يستطيع الخصوم تحملها على المدى الطويل.

أولاً: استراتيجية الإغراق الصاروخي واستنزاف الدفاعات الجوية

أحد أبرز ملامح المرحلة الحالية يتمثل في اعتماد إيران وحزب الله على ما يُعرف في الأدبيات العسكرية باسم تكتيك الإغراق (Saturation Attack). ويقوم هذا التكتيك على إطلاق موجات ضخمة ومتزامنة من الطائرات المسيّرة الانتحارية، والصواريخ الباليستية، وصواريخ كروز، والصواريخ قصيرة المدى. والهدف من ذلك لا يقتصر على إصابة الأهداف مباشرة، بل يشمل أيضاً إرباك أنظمة الدفاع الجوي المتطورة واستنزاف مخزونها من الصواريخ الاعتراضية.

وتكمن فعالية هذا التكتيك في الفارق الاقتصادي الهائل بين تكلفة السلاح المهاجم وتكلفة السلاح الدفاعي. فالمسيّرات الانتحارية قد لا تتجاوز كلفتها بضعة آلاف من الدولارات، في حين تصل تكلفة الصاروخ الاعتراضي في منظومات مثل القبة الحديدية أو باتريوت إلى ملايين الدولارات.

وبهذا المعنى، تتحول المعركة من مواجهة عسكرية تقليدية إلى معركة اقتصادية طويلة الأمد، يصبح فيها الهدف الحقيقي إنهاك القدرة المالية واللوجستية للخصم.

ثانياً: وحدة الساحات ومحاولة تشتيت القوة العسكرية

التطور الأهم في هذه المواجهة هو التطبيق الجزئي لمبدأ وحدة الساحات، وهو مفهوم استراتيجي يقوم على فتح عدة جبهات في وقت واحد لإرباك الخصم وتفكيك تركيزه العسكري.

في هذا السياق، جاءت الضربات المتزامنة من الأراضي الإيرانية، وجنوب لبنان، والفضاء السيبراني، والممرات البحرية، لتخلق مشهداً عملياتياً شديد التعقيد، يجد فيه التحالف الأميركي – الإسرائيلي نفسه مضطراً إلى التعامل مع تهديدات متعددة في آن واحد.

وتهدف هذه الاستراتيجية إلى تقويض أحد أهم عناصر القوة العسكرية الحديثة، وهو القدرة على تركيز القوة في نقطة حاسمة.

ثالثاً: تحويل مضيق هرمز إلى ساحة ضغط اقتصادي عالمي

إذا كانت الجبهة الجوية تستهدف استنزاف الدفاعات العسكرية، فإن الجبهة البحرية تسعى إلى نقل المعركة إلى قلب الاقتصاد العالمي. إذ يمر عبر مضيق هرمز نحو خُمس تجارة النفط العالمية المنقولة بحراً، ما يجعله أحد أهم نقاط الاختناق الاستراتيجية في النظام الاقتصادي الدولي.

ومن خلال استهداف السفن التجارية أو تهديد الملاحة، تحاول إيران إيصال رسالة واضحة مفادها أن استمرار الحرب لن يقتصر تأثيره على الأطراف المتحاربة، بل سيمتد إلى أسعار الطاقة، والتجارة العالمية، واستقرار الأسواق المالية. وبعبارة أخرى، تسعى طهران إلى تدويل كلفة الحرب بحيث يشعر بها العالم بأسره.

رابعاً: جزيرة خرج… العقدة الاقتصادية لإيران

في قلب الحسابات الاستراتيجية الأميركية تبرز جزيرة خرج باعتبارها الهدف الأكثر حساسية في البنية الاقتصادية الإيرانية. تقع هذه الجزيرة الصغيرة في شمال الخليج العربي، لكنها تؤدي دوراً محورياً في الاقتصاد الإيراني، إذ تمر عبرها النسبة الأكبر من صادرات النفط الخام.

وتشمل البنية التحتية في الجزيرة مرافق تخزين عملاقة، وأرصفة قادرة على استقبال ناقلات النفط العملاقة، وشبكات أنابيب تربطها بالحقول البحرية. وبذلك، تشكل الجزيرة الشريان المالي الأساسي للدولة الإيرانية.

وفي حال تعرض الجزيرة لهجوم أو احتلال، يبقى هناك بديل آخر هو ميناء جاسك النفطي (Jask Oil Terminal)، الواقع على بحر عُمان. وتكمن ميزته الاستراتيجية في أنه يقع خارج مضيق هرمز، ما يتيح لإيران تصدير النفط مباشرة إلى المحيط الهندي.

ويرتبط بهذا الميناء مشروع خط أنابيب جوره – جاسك (Goreh–Jask Pipeline)، الذي يبلغ طوله نحو ألف كيلومتر، وينقل النفط من حقول الأهواز في جنوب غرب إيران إلى ميناء جاسك. وتبلغ قدرته التخزينية نحو 10 ملايين برميل من النفط الخام، مع قدرة تصديرية تصل إلى مليون برميل يومياً، وهي طاقة تبقى أقل بكثير من قدرة جزيرة خرج.

خامساً: معضلة القرار الأميركي

أمام هذه المعادلة المعقدة، تبرز داخل الدوائر الاستراتيجية الأميركية فكرة غير تقليدية: السيطرة على جزيرة خرج بدلاً من تدميرها. ويستند المنطق وراء هذا الخيار إلى عدة اعتبارات:

  1. خنق الإيرادات النفطية للنظام الإيراني من دون تدمير البنية التحتية.

  2. تجنب صدمة كبيرة في أسواق الطاقة العالمية.

  3. الحصول على نقطة ارتكاز عسكرية متقدمة داخل الخليج.

لكن هذا السيناريو ينطوي على مخاطر هائلة، إذ إن احتلال الجزيرة سيحوّلها فوراً إلى هدف دائم للهجمات الصاروخية الإيرانية، كما قد يدفع طهران إلى تطبيق سياسة الأرض المحروقة وتدمير منشآتها النفطية بيدها قبل فقدان السيطرة عليها.

وفوق ذلك، فإن أي تحرك من هذا النوع قد يفتح الباب أمام تصعيد إقليمي ودولي واسع، نظراً لما تمثله الجزيرة من أهمية اقتصادية واستراتيجية بالغة الحساسية.

الخلاصة

ما يجري اليوم لم يعد مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل هو صراع مركب تتداخل فيه الأدوات العسكرية والاقتصادية والبحرية والسيبرانية. وتسعى إيران، عبر هذه المقاربة، إلى فرض معادلة جديدة قوامها أن كلفة الحرب لن تبقى محصورة في الميدان، بل ستطال الاقتصاد والطاقة والملاحة والاستقرار الإقليمي.

ومن هنا، فإن جوهر الصراع لم يعد متعلقاً فقط بمن يملك القدرة على توجيه الضربة الأقوى، بل بمن يستطيع الصمود لفترة أطول وفرض كلفة أعلى على خصمه. وفي هذا المعنى تحديداً، تبدو حرب الاستنزاف هي العنوان الأبرز للمرحلة الحالية.

المصدر: أوج 24

حول هذه القصة

ما استراتيجية “دفاع الفسيفساء” التي تتحدث عنها إيران؟

ضرب جزيرة خرج.. هل بدأت الحرب تستهدف شريان النفط الإيراني؟

بالإنفوغراف.. هكذا تستخدم إيران مضيق هرمز للضغط على خصومها؟

اترك تعليقاً