العراق فوق صفيح ساخن بسبب الازمات المتراكمة

مارس 7, 2026
45

الازمات المتكررة التي يعاني منها العراق والحلول المناسبة

 

بقلم جبار جعفر

لا اعتقد ان أحدا من السياسيين والمسؤولين المتنفذين قد شغل باله، او اكترث بحجم الازمات المتراكمة او المتكررة (بسبب غياب التخطيط والمعالجات) التي تعاني منها البلاد، وعدم الاهتمام بالإنسان كقيمة عليا إذا ما صلح حاله، وحصل على حقوقه التي كفلها له الدستور، في العيش الكريم والسكن، وتوفرت له الوظيفة المناسبة والتعليم لابنائه، صلح حال البلاد.

الأزمات المتراكمة هي تلك الازمات التي من الممكن توقع حدوثها وذلك لتوفر الاسباب والمناخ المناسب الذي يساعد على حدوثها لكنها تستغرق مدة من الوقت لتتفاعل قبل ان تنفجر وهذه الازمات تتطور بمرور الزمن كالمظاهرات التي تحدث بسسب انتشار البطالة لغياب فرص العمل وتجاهل مطالب الشباب للحصول على وظائف مناسبة، واطلاق الوعود الكاذبة من قبل السلطتين التنفيذية والتشريعية باستحداث فرص عمل للشباب وبعد انتظار طويل تذهب فرص العمل المحدودة لاقارب المسؤولين بسبب المحسوبية، او تباع مقابل أسعار خيالية لا يقوى على دفعها الكثير من الشباب المتخرجين حديثا. هذا الامر يولد حالة من اليأس لدى الشباب بسبب حالة الخذلان التي يعانون منها. الامر الذي يؤدي الى اندلاع التظاهرات ونشوب الاصطدامات بين المواطنين والقوات الامنية.

ان التظاهرات التي اندلعت في الأول من تشرين الأول سنة ٢٠١٩ كانت أفضل مثال على الازمة المتراكمة التي انفجرت بسبب عدم معالجة الأسباب التي أدت الى اندلاعها. منذ ٢٠٠٥ والوعود تتوالى من قبل الحكومات المتعاقبة، بتحسين أحوال المواطنين وتوفير الخدمات الأساسية وخلق فرص العمل للشباب، بضمنهم خريجي الجامعات والمعاهد الذين اخذت اعدادهم تتزايد. ذلك بسبب افتتاح الكثير من الجامعات الخاصة والجامعات الحكومية التي استمرت بتخريج دفعات كبيرة من الخريجين والخريجات دون اخذ بالاعتبار حاجة السوق المحدودة للوظائف التي تقتصر على المؤسسات والدوائر الحكومية. وذلك بسبب توقف المصانع التي كانت تمتلكها الدولة، وغياب القطاع الخاص. معظم هذه الوعود كانت كهواء في شبك، حيث بقي الواقع كما هو عليه. تتزايد اعداد العاطلين عن العمل، ويزداد الإحباط بسبب تلاشي الامل في احداث تغييرات جذرية تعيد الأمور الى نصابها. والعكس من ذلك بدأت تظهر طبقة من السياسيين التجار التي لم تكن معروفة من قبل. اخذت تلوح عليها علامات الثراء الفاحش مستغلة مكانتها السياسية وبالمقابل يزداد الشباب العاطل عن العمل حنقا لإنه عجز عن تامين ابسط حاجياته الإنسانية في بلد يعتبر من اغنى البلدان في المنطقة العربية لما يمتلكه من خزين هائل من النفط بالإضافة الى المعادن المهمة الأخرى مثل الكبريت والفوسفات، والحديد، والنحاس وحتى الذهب.

اندلاع انتفاضة تشرين نتيجة تراكم الازمات

في الأول من شهر تشرين الأول عام ٢٠١٩ اندلعت تظاهرات تشرين احتجاجاً على تردّي الأوضاع الاقتصادية للبلد، وانتشار الفساد المالي والإداري والبطالة، وأزمة الكهرباء المزمنة، وتردي الواقع الصحي، والبؤس وخيبة الامل وحالة الإحباط التي اصابت الشباب. كانت التظاهرات في بداية الامر سلمية ومن الممكن احتوائها من خلال الخطط المعدة سلفا لإدارة الازمات، وبذل الجهود الصادقة والجدية للحد من مدة الأزمة، أو منعها من الانتشار إلى مجالات أخرى تؤثر على واقع الحياة في البلاد. وهذا يتطلب من الحكومة آنذاك التشاور مع الكتل السياسية التي تسيطر على المشهد السياسي لوضع خارطة طريق حقيقية من اجل التعامل بشكل جدي وعملي، بعيدا عن التسويف والوعود الزائفة، مع المشاكل القائمة التي تسببت باندلاع الازمة لكن ذلك لم يحصل اذ تواصلت تلك التظاهرات متصاعدة في الايام التالية، وتحولت عاجلا الى انتفاضة عمت معظم محافظات العراق، حيث شكلت صدمة كبيرة لأحزاب السلطة، واستقالت الحكومة على أثرها.

احتواء الازمة

 من الممكن تلافي وقوع الازمة او التخفيف من اثارها قبل ان تصل الى مرحلة حاسمة. وهذا يتطلب وضع خطط تنموية مسبقة من اجل خلق فرص عمل لألاف الشباب الذين فقدوا الامل بسبب الوعود التي قطعتها الحكومات المتعاقبة على نفسها لتغيير الواقع المرزي الذي تعيشه هذه الطبقة المهمة، وإيجاد الحلول المناسبة للمشاكل التي يواجها الشباب. بعض هذه الحلول من الممكن ان تتضمن فتح باب الاستثمار المُنتِجْ، أي إقامة المشاريع الاستراتيجية القادرة على توفير فرص عمل، كإنشاء المصانع وتوزيعها على المحافظات حسب توفر المواد الأولية، لاستيعاب أكثر ما يمكن من الخريجين وغير الخريجين، وليس على شاكلة الاستثمار العشوائي للمجمعات السكنية التي خنقت العاصمة بغداد وباقي المدن الأخرى، بعد ان التهمت الفضاءات والمناطق الخضراء. الاهتمام بالتعليم المهني، من اجل زيادة الكوادر الفنية الوسط التي لعبت دورا كبيرا في تشغيل المصانع في المانيا وباقي الدول الصناعية، فبينما كان المهندسون يطورون تقنيات جديدة، كانت الكوادر الفنية والمهنية لها دورٌ أساسي في تطبيقها على أرض المصنع، مما أدى إلى زيادة الإنتاجية والابتكار. كما يمكن العمل على تعزيز الشراكة مع القطاع الخاص المحلي والأجنبي من اجل استيعاب الخريجين.

الاستفادة من الازمة

من الممكن أيضا الاستفادة من الازمة لكن كيف؟ إذا وقعت ازمة في أي مجال او قطاع من القطاعات ينبغي معرفة الأسباب والعوامل التي ساهمت في اندلاعها والكيفية التي تمت معالجتها بها. وإمكانية وضع الحلول المناسبة لمعالجة تلك الأسباب للحيلولة دون وقوعها مرة أخرى لكن من المؤسف ان الجهات الحكومية المسؤولة لم تعر أي اهتمام لهذا الامر مما جعل الازمات تتكرر وتسبب الخسائر في مجالات مختلفة.

الأمثلة كثيرة والتجاهل الحكومي والسياسي أكبر، الامر الذي ينذر باندلاع أزمات أخرى. فمنذ ان أجريت الانتخابات البرلمانية في تشرين الثاني ٢٠٢٥ ولحد كتابة هذه السطور لم تتشكل الحكومة بسبب الانسداد السياسي كما تسميه الأحزاب السياسية وفي الحقيقة هي حالة من عدم الاكتراث او اللامبالاة إزاء ما يجري، ورغم المشاكل الكثيرة التي تعاني منها البلاد بالإضافة الى الحرب التي تشتعل في المنطقة والتي من الممكن ان ينزلق فيها العراق في اي لحظة.

وهاهي مشكلة تأخر صرف الرواتب تطفوا على السطح من جديد وبدات تتفاعل لان أسبابها لم تعالج واهمها بقاء البلاد معتمدة على مصدر واحد الا وهو النفط. وذلك لان الحكومات المتعاقبة لم تعمل بجد على تنويع مصادر الدخل بل اعتمدت على الحلول الترقيعية التي لم تؤدي الى نتيجة. وبسبب تداعيات النزاع المحتدم بين أمريكا و إسرائيل من جهة وبين ايران من جهة أخرى وإمكانية توقف صادرات النفط العراقية التي تُشكل عائداته العصب الرئيسي للاقتصاد، وبسبب نقص السيولة النقدية، من الممكن ان يؤدي ذلك الى تفاقم مشكلة الرواتب، التي تعتبر مصدر الرزق الوحيد لشرائح كبيرة من المجتمع، وتتحول الى ازمة داخلية كبيرة تنفجر في أي لحظة. علما ان اكثر من ٩٠٪ من إجمالي إيرادات الموازنة العامة للدولة وفقاً لبيانات وزارة المالية لعام ٢٠٢٥، تأتي من عائدات النفط.

خلاصة القول لمنع حدوث الازمات تحتاج المؤسسات الحكومية الى التخطيط الاستراتيجي والمتابعة المستمرة للمشاكل المتكررة ومحاولة إيجاد حلول لها. وفي حال اندلاعها لابد من اتخاذ مواقف سريعة وإصدار قرارات عاجلة من اجل احتوائها والتقليل من اثارها السلبية او الاضرار التي تنتج عنها.

المصدر: أوج 24

اترك تعليقاً