الحرب على إيران.. صراع الممرات وإعادة تشكيل النظام العالمي

مارس 23, 2026
18

الحرب على إيران تتجاوز كونها مواجهة إقليمية، لتصبح عاملاً مؤثراً في إعادة تشكيل التوازنات الدولية (صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي)

ناجي الغزي/كاتب وسياسي عراقي

لا يمكن اختزال المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، في بعدها العسكري المباشر، وكأنها مجرد صراع صواريخ وضربات متبادلة. فهذه الحرب، التي رُسمت لها في البداية أهداف كبرى، تحجيم القدرات الصاروخية الإيرانية، إسقاط النظام، وإنهاء المشروع النووي، تبدو اليوم وقد فقدت بوصلتها الاستراتيجية، أو على الأقل أعادت تعريف نفسها بعيداً عن تلك الشعارات الأولى.

ما يجري لم يعد حرباً تقليدية على دولة بعينها، بل تحوّل إلى صراع على موقع ودور داخل بنية النظام الدولي. فإيران ليست مجرد خصم إقليمي يمكن احتواؤه أو كسره، بل تمثل نقطة ارتكاز في معادلة أوسع، تتقاطع عندها مصالح الطاقة، وخطوط التجارة، وممرات النفوذ العالمي.

ومن هذا المنظور، فإن استهداف إيران لا يُفهم كغاية بحد ذاته، بل كجزء من محاولة إعادة تشكيل خرائط السيطرة على طرق الشحن وسلاسل الإمداد، وإعادة توزيع موازين القوة في عالم يتجه نحو تعددية أكثر تعقيداً. هنا تصبح الجغرافيا السياسية هي الميدان الحقيقي للصراع، وتغدو إيران عقدة يصعب تجاوزها في أي مشروع لإعادة ترتيب النظام العالمي.

أولاً: مضيق هرمز نقطة الاختناق العالمية

يُعد مضيق هرمز أهم نقطة اختناق في نظام الطاقة العالمي، إذ يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط، ما يمنحه أبعاداً استراتيجية متعددة. اقتصادياً، حيث يؤدي أي اضطراب فيه إلى صدمة فورية في أسعار الطاقة تنعكس مباشرة على التضخم العالمي. وعسكرياً، يشكّل بيئة مثالية لحروب غير متكافئة، مع صعوبة السيطرة الكاملة عليه رغم التفوق البحري الأميركي. أما سياسياً، يمثل أداة ردع بيد إيران ووسيلة ضغط على الاقتصادات المستوردة، خاصة في آسيا.

حيث تقوم معادلة السيطرة على توازن ثلاث قوى رئيسية هي: الولايات المتحدة، التي تسعى لضمان تدفق الملاحة، وإيران توظفه كورقة تهديد وردع، والصين تعمل على تأمين الطاقة وتقليل الاعتماد على الهيمنة الأميركية. وبذلك يتحول المضيق إلى ساحة صراع بين استراتيجيات متعارضة تمثل: ضمان التدفق، وتهديده، وتحريره من السيطرة.

ثانياً: جزيرة خرج: نقطة الاختناق

تمثل جزيرة خرج محوراً حيوياً في منظومة الطاقة الإيرانية، إذ تُعد المركز الرئيسي لتجميع وتصدير النفط، ما يجعلها هدفاً ضمن استراتيجية الخنق الاقتصادي بدل المواجهة المباشرة. تركّز البنية التحتية فيها يمنحها أهمية تشغيلية كبيرة، ويجعلها في الوقت نفسه أكثر قابلية للاستهداف مقارنة بالمنشآت الموزعة داخل إيران.

تعطيل الجزيرة يؤدي إلى تقليص قدرة إيران التمويلية عبر ضرب عائداتها النفطية، بينما تمنح السيطرة عليها أداة ضغط على الدول المستوردة، خصوصاً الصين، من خلال التحكم في تدفقات الطاقة. كما يمكن استخدامها عسكرياً لتعزيز النفوذ البحري في الخليج.

في المقابل، يبقى الغزو البري خياراً محدود الجدوى بسبب الجغرافيا المعقدة، والكثافة السكانية، والعقيدة العسكرية غير المتكافئة، ما يدفع نحو استراتيجيات الاحتواء والاستنزاف بدل الحسم المباشر.

ثالثاً: الممرات البحرية: نقطة ضعف الصين

تمثل الصين الطرف الأكثر تأثراً في هذا الصراع، وإن كان بصورة غير مباشرة، إذ لا تنخرط في مواجهة عسكرية مفتوحة، لكنها تقع في صلب تداعياته الاستراتيجية. ويعود ذلك إلى اعتمادها الكبير على التجارة الخارجية واستيراد الطاقة، ما يجعل أي اضطراب في الممرات البحرية تهديداً مباشراً لاستقرار نموذجها الاقتصادي.

ترتكز المصالح الاستراتيجية لبكين على ثلاثة محاور رئيسية: تأمين تدفق الطاقة من الخليج بوصفه شرياناً حيوياً للصناعة، وحماية سلاسل الإمداد التي تقوم عليها مكانتها كمركز صناعي عالمي، وتقليل الاعتماد على الممرات البحرية الخاضعة للهيمنة الأميركية.

ولتحقيق ذلك، تبنت الصين استراتيجية متعددة الأدوات، أبرزها مبادرة الحزام والطريق، وتطوير ممرات برية بديلة، وتوسيع حضورها في الموانئ العالمية لتعزيز نفوذها اللوجستي.

تكمن خطورة الوضع في أن تشديد السيطرة الأميركية على الممرات لا يتطلب مواجهة مباشرة، بل يكفي تقييد تدفق التجارة والطاقة. وهنا يتحول الصراع إلى احتواء غير مباشر، يمكن من خلاله خنق الصين استراتيجياً عبر التحكم في شرايين الاقتصاد العالمي.

رابعاً: استراتيجية الإنكار الأميركية

لا تكتفي الولايات المتحدة بضبط الممرات البحرية، بل تريد الهيمنة المباشرة أو غير المباشرة عليها، عبر القوة العسكرية والضغط السياسي والعقوبات، كما يظهر في سلوكها تجاه إيران وبنما وغرينلاند، وسيطرتها على فنزويلا وتهديها كوبا، فهي تسعى إلى فرض القوة على قواعد الملاحة، ووضع يدها على مصادر الطاقة بما يخدم مصالحها، ومنع الخصوم من تحويل هذه الممرات إلى أدوات نفوذ مضاد.

هذا النهج يعكس “استراتيجية الإنكار”، التي لا تقتصر على الحرمان غير المباشر، بل تمتد إلى الردع القسري وتعطيل الخصم فعلياً عند الحاجة. وهنا تتحول السيطرة إلى مزيج من التحكم بالقوة وإدارة التدفقات.

في هذا السياق، يبرز طرح نيوت غينغريتش، الرئيس الأسبق للكونغرس الأميركي والمقرّب من دوائر الرئيس دونالد ترامب، حول فكرة إنشاء ممر بديل عبر الأراضي السعودية باستخدام تفجيرات نووية، بوصفه امتداداً لنمط تفكير يعيد تشكيل الجغرافيا بالقوة الصلبة.

هذا الطرح لا يمكن قراءته كاقتراح تقني معزول، بل كمؤشر على ذهنية استراتيجية ترى في إعادة رسم الخرائط أداة لإعادة توزيع النفوذ العالمي. فالمسألة تتجاوز مشاريع البنية التحتية إلى صراع أعمق: من يملك القدرة على فرض هندسة جديدة للعالم، ومن يحدد ملامح النظام الدولي في مرحلته القادمة.

خامساً: هشاشة النظام العالمي

يعتمد الاقتصاد العالمي المعاصر على نموذج شديد الكفاءة قائم على تقليص المخزون وتسريع الإنتاج ضمن سلاسل إمداد مترابطة، وهو ما يجعله هشاً أمام أي صدمة مفاجئة. لذلك، فإن اضطراب ممر حيوي مثل مضيق هرمز لا يبقى محصوراً جغرافياً، بل يمتد تأثيره سريعاً إلى النظام الاقتصادي العالمي.

تبدأ التداعيات من قطاع الطاقة، حيث يؤدي ارتفاع أسعار النفط والغاز إلى زيادة كلفة الإنتاج الصناعي، ثم تنتقل إلى الزراعة عبر ارتفاع أسعار الأسمدة، وصولاً إلى قطاع النقل الذي يشهد ارتفاعاً في تكاليف الشحن وتعطلاً في سلاسل الإمداد. هذا الترابط يخلق بيئة تضخمية ضاغطة، ويزيد من احتمالات الاضطرابات الاجتماعية والأزمات الغذائية، خصوصاً في الدول الأقل قدرة على التكيف.

في هذا الإطار، تتجاوز الحرب على إيران كونها مواجهة إقليمية، لتصبح عاملاً مؤثراً في إعادة تشكيل التوازنات الدولية. فاستمرارها بصيغة استنزاف يعيد توزيع مراكز القوة، ويفتح المجال أمام قوى مثل الصين وروسيا، لتعزيز دورها في إدارة تدفقات الطاقة والتجارة.

كما أن الضغط على الممرات الحيوية يعيد تشكيل أنماط السيطرة عليها، بحيث تتجه نحو تعددية في مراكز النفوذ، مع تراجع تدريجي لفكرة الهيمنة المنفردة وصعود نظام أكثر تشابكاً وتعقيداً.

المصدر: أوج 24

حول هذه القصة

بالإنفوغراف.. 7 ركائز تفسّر كيف يفكر ترامب ويصنع قراراته

ديمونا تحت النار.. 9 دلالات وراء الاستهداف الإيراني

حرب إيران تدخل مرحلة كسر العظم وترامب يبحث عن “مخرج مشرّف”

اترك تعليقاً