أوج24الدوحةمباشر
عاجل
00:00:00
سياسة وتحليلات

لا تقدّم على جبهات القتال.. كيف تحاول أوكرانيا ضرب العمق الروسي؟

لا تقدّم على جبهات القتال.. كيف تحاول أوكرانيا ضرب العمق الروسي؟

بينما لم تسجل جبهات القتال في أوكرانيا تحولاً ميدانياً كبيراً خلال الأيام الأخيرة، انتقلت المواجهة بصورة متزايدة إلى عمق أراضي الطرفين. فكييف تكثف هجماتها بالمسيّرات على منشآت لوجستية وصناعية داخل روسيا، فيما تواصل موسكو ضرب المدن والموانئ والبنية التحتية الأوكرانية بالصواريخ والمسيّرات والقنابل الانزلاقية.

وتطرح هذه الموجة من الضربات سؤالاً يتجاوز حجم الهجمات نفسها: هل تستطيع أوكرانيا تحويل قدرتها المتزايدة على الوصول إلى العمق الروسي إلى تأثير عسكري في ساحة القتال، أم أن هذه الهجمات تظل أداة استنزاف وضغط أكثر منها وسيلة لتغيير خطوط الجبهة؟

واحدة من أكبر الهجمات على روسيا

وفي أحدث التطورات، قالت صحيفة الإندبندنت البريطانية اليوم الاثنين إن هجوماً روسياً على مدينة أوديسا الساحلية ألحق أضراراً بسفينة مدنية ترفع علم توغو، وأسفر عن إصابة أربعة أشخاص على الأقل، بحسب حاكم المنطقة أولي كوبر.

وجاء الهجوم بعد ساعات من تنفيذ أوكرانيا واحدة من أوسع هجماتها الجوية على الأراضي الروسية منذ بداية الحرب. وقالت وزارة الدفاع الروسية إن دفاعاتها الجوية أسقطت أو دمرت 822 طائرة مسيّرة خلال الليل، فيما قال عمدة موسكو سيرغي سوبيانين إن نحو 600 مسيّرة توجهت نحو العاصمة.

ولا يوجد رقم أوكراني مستقل يؤكد العدد الإجمالي للمسيّرات التي أُطلقت، إذ تشير «الإندبندنت» إلى أن موسكو تعلن عادة عدد الطائرات التي تقول إنها اعترضتها، وليس بالضرورة العدد الكامل الذي أطلقته كييف.

وكان من أبرز أهداف الهجوم مستودع ضخم تابع لشركة شركة «وايلدبيريز» الروسية للتجارة الإلكترونية والخدمات اللوجستية في بودولسك بمنطقة موسكو، وأظهرت صور دماراً واسعاً في المنشأة. وتواصل أوكرانيا استهداف مرافق تابعة للشركة، التي تصفها بعض وسائل الإعلام بـ«أمازون الروسية»، وسط اتهامات أوكرانية باستخدام بعض شبكاتها اللوجستية في دعم المجهود الحربي الروسي.

وبحسب معهد دراسة الحرب، تبلغ مساحة المنشأة نحو 250 ألف متر مربع، وأكدت الشركة اندلاع حريق واضطرارها إلى إعادة تنظيم بعض سلاسلها اللوجستية.

ويقول المعهد  إن أوكرانيا استهدفت منذ يوليو/تموز سبعة من أكبر عشرة مراكز لوجستية للشركة.

كما تعرض مجمع لوجستي في دوموديدوفو بمنطقة موسكو لضربة أخرى.

وقالت السلطات الروسية إن الهجوم أسفر عن سقوط قتلى، بينهم رجل يبلغ 83 عاماً في منطقة موسكو. وذكرت مجلة تايم أن ستة أشخاص على الأقل قتلوا في الهجمات على روسيا، وفق ما أعلنته السلطات الروسية.

وترى «تايم» أن حجم الهجوم ومداه يعكسان التطور السريع في قدرات أوكرانيا على استخدام المسيّرات والصواريخ لضرب أهداف بعيدة داخل روسيا، بما في ذلك محيط موسكو.

أبعد من المستودعات
لا تقتصر الاستراتيجية الأوكرانية على مستودعات التجارة والنقل.

فقد أعلنت هيئة الأركان الأوكرانية استهداف مصنع كامينسكي في مقاطعة روستوف، على بعد نحو 178 كيلومتراً من خط الجبهة. وتقول كييف إن المصنع ينتج الوقود الصلب المستخدم في ذخائر راجمات الصواريخ وبعض الصواريخ والأسلحة الجوية الروسية.

كما أعلنت أوكرانيا إلحاق أضرار بمنشآت بتروكيماوية ومصافٍ روسية خلال ضربات سابقة.

وفي شبه جزيرة القرم، قالت البحرية الأوكرانية إنها ضربت منظومة ساحلية روسية من طراز منظومة «باستيون-إم» ، تستخدمها موسكو لإطلاق صواريخ «أونيكس» و«زيركون».

ويقرأ معهد دراسة الحرب هذه العمليات باعتبارها جزءاً من حملة استنزاف للقاعدة الصناعية واللوجستية الروسية، هدفها زيادة كلفة الحرب وإجبار موسكو على توزيع أنظمة دفاعها الجوي بين الجبهة ومئات المنشآت الموجودة في عمق البلاد.

مصنع أرسيلور ميتال للحديد والصلب في مدينة كريفي ريه الأوكرانية
مصنع أرسيلور ميتال للحديد والصلب في مدينة كريفي ريه الأوكرانية الذي استهدفته روسيا ( الصحافة الأوكرانية)

روسيا ترد في العمق الأوكراني

وفي الاتجاه المقابل، واصلت روسيا هجماتها بالصواريخ والمسيّرات على مدن أوكرانية، بينها كييف وأوديسا، حيث أفادت السلطات الأوكرانية بسقوط إصابات وأضرار في منشآت مدنية.

وقالت القوات الجوية الأوكرانية إن روسيا أطلقت ليلة 15 إلى 16 أغسطس 106 مسيّرات، إضافة إلى صواريخ باليستية وصواريخ «أونيكس» وKh-59/69. وأعلنت كييف إسقاط 85 مسيّرة وثلاثة صواريخ كروز.

وتركزت الضربات على مناطق من بينها كييف وبولتافا ودنيبروبتروفسك.

وفي كريفي ريه، أكد أحد المصانع للتعدين والصلب مقتل عاملين وإصابة 13 آخرين جراء ضربة صاروخية أدت إلى توقف جزء من الإنتاج.

وأكدت وزارة الدفاع الروسية استهداف مصنع للمعادن في المدينة، وقالت إنها ضربت أيضاً منشآت للصناعات الدفاعية في كييف ومصفاة في كريمنشوك. وتختلف الروايتان الروسية والأوكرانية بشأن طبيعة عدد من الأهداف التي تضرب خلال هذه الهجمات.

 

 

أوديسا والسفن في قلب التصعيد

وامتدت الضربات الروسية إلى أوديسا، حيث قالت السلطات الأوكرانية إن سفينة مدنية ترفع علم توغو تعرضت لأضرار في هجوم روسي صباح الاثنين، كما أصيب أربعة أشخاص على الأقل.

وكانت روسيا قد قالت في وقت سابق إنها تستهدف منشآت ومخازن وسفناً تستخدم، بحسب روايتها، لنقل إمدادات عسكرية ووقود إلى القوات الأوكرانية.

وفي المقابل، قالت السلطات الأوكرانية إن بعض الضربات الروسية على أوديسا أصابت أيضاً مباني سكنية ومنشآت مدنية.

وتشير هذه التطورات إلى اتساع نطاق الحرب بعيداً عن خطوط الجبهة، مع تركيز أوكرانيا بصورة متزايدة على استهداف منشآت لوجستية وصناعية في العمق الروسي، في مقابل استمرار موسكو في ضرب المدن والموانئ والبنية التحتية الأوكرانية.

حرب على شرايين الإمداد

ما يجمع بين استراتيجيات الطرفين هو أن طرق الإمداد والبنية اللوجستية أصبحت جزءاً أساسياً من المعركة.

أوكرانيا تستهدف المستودعات والمصانع والمصافي والجسور والسكك الحديدية ومنظومات الصواريخ داخل روسيا وفي الأراضي التي تسيطر عليها موسكو.

وروسيا، من جهتها، تضرب الطرق والجسور والموانئ والمصانع ومراكز تشغيل المسيّرات داخل أوكرانيا، وتستخدم القنابل الانزلاقية بكثافة متزايدة قرب الجبهة.

وبذلك، لم تعد المسألة مقتصرة على السيطرة على بلدة أو التقدم بضعة كيلومترات، بل أصبحت أيضاً سباقاً على إضعاف قدرة الطرف الآخر على نقل الجنود والذخائر والوقود وحماية منشآته الحيوية.

لكن أين المكاسب على الأرض؟

على الرغم من اتساع الضربات الأوكرانية، لم يسجل معهد دراسة الحرب في تقييمه ليوم 16 أغسطس/ آب أي تقدم ميداني مؤكد لأي من الطرفين.

واصلت القوات الروسية عملياتها في سومي وخاركيف ودونيتسك وزابوريجيا، لكن من دون تغيرات مؤكدة كبيرة في خطوط السيطرة خلال ذلك اليوم.

وفي خاركيف، أعلنت وزارة الدفاع الروسية السيطرة على بلدة كودييفكا شمال المدينة، إلا أن معهد دراسة الحرب لم يؤكد ذلك، فيما قال مصدر روسي يتابع عمليات القوات الشمالية إن القتال ما زال مستمراً داخل البلدة.

وفي دونيتسك، كثفت روسيا استخدام القنابل الانزلاقية ضد مناطق سلوفيانسك وكراماتورسك ودروژكيفكا ودوبروبيليا، مستهدفة طرق الإمداد ومواقع انتشار القوات ومراكز تشغيل المسيّرات.

ويرى معهد دراسة الحرب أن هذه الضربات قد تكون جزءاً من محاولة روسية لتهيئة الظروف لعمليات مستقبلية باتجاه سلوفيانسك وكراماتورسك.

قراءة روسية مختلفة: تأثير كبير بلا مكاسب ميدانية

هنا تظهر قراءة مغايرة لجدوى الحملة الأوكرانية.

فبحسب موقع «الشؤون العسكرية» الروسي، يرى رالف بوشارد، المقدم المتقاعد في هيئة الأركان السويسرية والمستشار العسكري السابق للأمين العام لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، أن الهجمات الأوكرانية داخل روسيا لم تمنح كييف أفضلية واضحة في ساحة القتال.

وقال بوشارد في تصريحات نقلتها وكالة «تاس» الروسية إن الضربات، من وجهة نظره، لا تحقق نتائج عسكرية مباشرة تكفي لتغيير ميزان القوى على الجبهة.

كما طرح احتمال أن يكون تكثيفها مرتبطاً بمحاولة صرف الأنظار عن الصعوبات العسكرية التي تواجهها أوكرانيا، أو التأثير في اتصالات سياسية محتملة بشأن إنهاء الحرب.

إلا أن هذه الاستنتاجات تمثل تقييماً شخصياً لبوشارد، ولا يقدم المقال بيانات ميدانية مستقلة تثبت وجود علاقة بين الهجمات الأوكرانية وأي محاولة لعرقلة مفاوضات سلام.

وأشار بوشارد إلى تقارير عن اتصالات غير رسمية بين شخصيات روسية وألمانية، لكن نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل غالوزين نفى وجود مفاوضات رسمية بين موسكو وبرلين بشأن تسوية الحرب، مع إقراره باستمرار لقاءات غير رسمية بين ممثلين عن منظمات وشخصيات من البلدين.

هل تنجح استراتيجية أوكرانيا؟

هنا تكمن نقطة الخلاف الأساسية بين القراءات العسكرية.

فالمنتقدون، ومن بينهم بوشارد، ينطلقون من أن الهجمات بعيدة المدى لم تتحول حتى الآن إلى مكاسب أوكرانية واضحة على الأرض، وبالتالي يشككون في قدرتها على تغيير مسار الحرب عسكرياً.

أما معهد دراسة الحرب فيقيس تأثيرها بطريقة مختلفة، ويرى أن ضرب المراكز اللوجستية والمنشآت الصناعية داخل روسيا يمكن أن يفرض ضغطاً تراكمياً على الاقتصاد والإمدادات العسكرية، ويجبر موسكو على تشتيت دفاعاتها الجوية لحماية مساحة جغرافية هائلة.

وبين القراءتين، تبقى النتيجة العسكرية النهائية لهذه الاستراتيجية غير محسومة.

فعدم تحرك خطوط الجبهة لا يعني أن الضربات في العمق بلا تأثير، كما أن تدمير مستودعات ومنشآت داخل روسيا لا يعني تلقائياً أن أوكرانيا باتت أقرب إلى تحقيق اختراق ميداني.

لكن التطورات الأخيرة تكشف تحولاً واضحاً في طبيعة الحرب: المعركة لم تعد تدور فقط حول من يتقدم على الجبهة، بل حول من يستطيع الوصول أبعد خلف خطوط خصمه، وضرب شرايين إمداده، وتحمل حرب استنزاف أصبحت تمتد مئات الكيلومترات بعيداً عن الخنادق.

المصادر/ معهد دراسة الحرب الأميركي – الإندبندنت – مجلة تايم- موقع «الشؤون العسكرية» الروسي

كتب بواسطة

karimhussein06

فريق أوج24 التحريري يتابع الخبر ويضعه في سياقه بوضوح وسرعة.

اقرأ أيضاً

أخبار مرتبطة

اختيارات أوج24

قد يهمك أيضاً

شارك برأيك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.