الصين تغيّر قواعد الطاقة… هل بدأ العراق يفقد موقعه في السوق الآسيوية؟
الكاتب يرى أن الصين كانت تُمهد لهذا التحول منذ أمد
د. نوار السعدي/ أكاديمي عراقي متخصص في الاقتصاد الدولي
ما نشهده اليوم في سوق النفط ليس مجرد تقلب ظرفي مرتبط بالحروب أو إغلاق الممرات المائية، بل هو تحول هيكلي في خارطة الطاقة العالمية، تقوده الصين وفق رؤية واضحة ومدروسة. البيانات الصادرة عن الربع الأول من عام 2026 تؤكد أن بكين بدأت فعلياً بإعادة رسم شبكة مورديها؛ حيث صعدت البرازيل وأنغولا إلى الواجهة على حساب موردين تقليديين كالعراق ودول الخليج.
الأرقام تعطي مؤشراً صريحاً؛ فقد تضاعفت صادرات البرازيل النفطية إلى الصين خلال الربع الأول من عام 2026، لتصل إلى مستويات قياسية بلغت نحو 1.6 مليون برميل يومياً في شهر مارس/ آذار وحده.
في المقابل، تراجعت صادرات العراق إلى الصين بشكل حاد، مع انخفاض قيمة الصادرات النفطية بنحو 43% خلال الفترة ذاتها. وهذا لا يعد تذبذباً عادياً، بل إعادة توزيع استراتيجية للحصص السوقية.
برأيي، لا يمكن اختزال تفسير هذا التحول في أزمة مضيق هرمز فحسب، رغم مركزيتها؛ فصحيح أن المضيق يمر عبره ما يقارب 20% من النفط العالمي، وأي اضطراب فيه يدفع بكين للبحث عن بدائل، لكن الصين كانت تُمهد لهذا التحول منذ أمد. هي اليوم تمتلك احتياطيات استراتيجية ضخمة تتراوح بين 1.2 و1.4 مليار برميل، ما يمنحها مرونة عالية في استبدال الموردين دون الرضوخ لضغوط الإمداد الفورية.

معيار الجودة والكلفة
أما العامل الأهم، في تقديري، فهو معيار الجودة والكلفة؛ إذ أصبحت المصافي الصينية أكثر تطوراً، وباتت تفضل الخامات الأخف والأقل كبريتاً لتقليل كلف التكرير، وهو ما توفره البرازيل وأنغولا بامتياز مقارنة بالنفط العراقي. بالتوازي مع ذلك، لا تتقيد هذه الدول باتفاقيات خفض الإنتاج (أوبك+)، مما يمنحها قدرة أكبر على تلبية الطلب الصيني بسرعة ومرونة فائقتين.
لكن ما يقلق حقاً ليس “الخسارة اللحظية”، بل احتمالية “تجذر” هذا التحول. فخلال السنوات الأخيرة، عملت الصين على تنويع مصادرها حتى أصبحت وارداتها من الدول غير الخليجية تضاهي أو تتجاوز وارداتها من الخليج؛ مما يعني أننا أمام استراتيجية طويلة الأمد، وليست استجابة مؤقتة لأزمة عابرة.
والأخطر من ذلك، أن هذا التحول يتقاطع مع البعد الجيوسياسي، خصوصاً في إطار تكتل “بريكس”؛ حيث تتعزز الروابط الاقتصادية بين الصين وروسيا والبرازيل وأنغولا. في هذا السياق، لم تعد المنافسة محصورة في السعر، بل أصبحت صراعاً على “التموضع” داخل شبكة تحالفات اقتصادية جديدة.
خياران “أحلاهما مر”
إذا استمر هذا المسار، سيجد العراق نفسه أمام خيارين “أحلاهما مر”: إما القبول بخسارة حصة سوقية استراتيجية في أكبر سوق نفطي عالمي، أو تقديم خصومات سعرية حادة لاستعادتها، وهو ما سينعكس سلباً على الإيرادات العامة ويزيد من هشاشة الموازنة الاتحادية.
المشكلة لا تكمن في الأزمة الحالية فحسب، بل في غياب استراتيجية عراقية واضحة لمواكبة هذه التحولات. فبينما يتجه العالم نحو تنويع مصادر الطاقة وتقليل المخاطر الجيوسياسية، لا يزال العراق مرتهناً لنمط تقليدي في تسويق النفط.
خلاصة القول: الصين لا تغير مورديها بسبب التوترات الأمنية فقط، بل لأنها تشيد نظام طاقة جديداً أكثر أماناً وتحرراً من القيود. وإذا لم يتحرك العراق سريعاً لإعادة التموضع ضمن هذا النظام، فإن خسارته قد لا تكون مجرد كبوة مؤقتة… بل إقصاءً دائماً.
