بغداد- صفاء العميد
في أطراف العاصمة بغداد، وتحديداً في منطقة النهروان المكتظة بالسكان، تبدأ الحكاية الأقسى لمأساة المشاريع المتعثرة في العراق. هناك يعيش الشاب “محمد الخفاجي” البالغ من العمر ثلاثة وثلاثين عاماً، والذي يعتصر قلبه الألم كلما استذكر تلك الليلة الحرجة قبل نحو أربعة أعوام، حين تعرض والده الشيخ الستيني لأزمة قلبية مفاجئة في منتصف الليل وكانت كل ثانية تفصل بين الحياة والموت.
يروي محمد بغصة ترتسم على صوته كيف كان والده يلفظ أنفاسه الأخيرة بينما كانوا يركضون به نحو مستوصف خاوٍ يفتقر لأبسط مقومات الطوارئ والإنعاش، في حين أن المستشفى الكبير الموعود، الذي وُضع حجر أساسه قبل سنوات طويلة وبُني هيكله الخرساني، ظل مقفلاً وأكلته الشمس والغبار ليصبح مأوى للكلاب السائبة بدلاً من أن ينقذ أرواح الناس.
توفي والد محمد في الطريق نحو مستشفى في الكرخ لعدم وجود إسعاف مجهز أو مستشفى قريب يستقبل حالته الحرجة، وهي حكاية لا تفارق مناطق مثل الحبيبية، سبع البور، واللطيفية حيث رُصدت مئات المليارات لمستشفيات سعة 100 و200 سرير ظلت نسب إنجازها تتأرجح بين 30% إلى 50% دون حاسب أو رقيب.
لم تعد قصة المشاريع المتعثرة مجرد أرقام صماء تُطبع في جداول وزارة التخطيط أو تقارير ديوان الرقابة المالية، بل تحولت إلى “مسرحية طويلة” يشارك في بطولتها ملايين المواطنين مجبرين وهم يراقبون أحلامهم الخدمية تحول إلى هياكل خرسانية صدئة. وعندما يقف الإنسان أمام مستشفى مهجور، أو طريق حصد أرواح مئات الأبرياء، أو شبكة مجاري تحولت إلى بؤر للأمراض، فإنه يواجه نزيفاً يومياً يمس تفاصيل الحياة البسيطة.

المدارس الطينية والمشاريع المنسية في المحافظات
لا تقتصر مأساة التعثر على العاصمة، بل تمتد لتضرب عميقاً في محافظات الوسط والجنوب والغربية. في إحدى قرى ريف محافظة بابل، تروي المعلمة “أم سجاد” المعاناة اليومية لتلاميذ صغار هُدمت مدرستهم ضمن خطة تنمية الأقاليم قبل أكثر من خمس سنوات بحجة تشييد مدرسة نموذجية حديثة بطابقين، ليختفي المقاول وتتوقف الآليات منذ ذلك اليوم.
يدرس أطفال تلك القرية اليوم داخل خيام مهترئة أو كرفانات حديدية تحول الصيف إلى فرن والشتاء إلى برك طينية، فضلاً عن قطعهم مسافات طويلة خطرة على أقدامهم لعبور طرق سريعة غير مؤمنة نحو مدرسة القرية المجاورة المكتظة أصلاً. وبين النزاعات القانونية والروتين الإداري وسحب العمل، يضيع مستقبل جيل كامل.
شبكات الصرف الصحي.. كابوس الشتاء والصيف
وفي قطاع البنى التحتية، تُعد مشاريع شبكات الصرف الصحي ومياه الشرب العنوان الأبرز لتعثر الإدارة والتخطيط. في مناطق مثل الفضيلية والعبيدي وأطراف مدينة الإحسانية، يتحدث الحاج “أبو كرم” (70 عاماً)، صاحب محل تجاري في الفضيلية، عن معاناته بالقول إنه قبل خمس سنوات شرعت إحدى الشركات بحفر الشوارع لمد أنابيب المجاري وتركته ركاماً وتراباً؛ ففي الصيف يختنق الأهالي بالأتربة التي تدمّر بضائعهم وصحة أطفالهم، وفي الشتاء تتحول الشوارع إلى بحيرات من الطين الأسود الآسن تمنع الزبائن من الوصول إلى محالهم. لا يقف الأمر عند الأضرار المادية، بل يتعداه إلى أزمات بيئية وصحية خطيرة بانتشار الحشرات والأمراض الانتقالية وتدمير عجلات المواطنين جراء الحفر العشوائي والشوارع المتروكة.

أرقام صادمة وأسباب متجذرة
حين توضع هذه القصص على طاولة الأرقام الرسمية، يتضح حجم الهدر الفظيع؛ فخلال الدورات الحكومية والموازنات الاستثمارية الضخمة رُصدت عشرات مليارات الدولارات تحت بند البنى التحتية والمشاريع الاستراتيجية.
وتشير تقارير الجهات الرقابية وديوان الرقابة المالية إلى آلاف المشاريع المتعثرة والمتلكئة في الصحة والتربية والبلديات والطرق والجسور. وغالباً ما تحصل الشركات المنفذة على دفعات أولية (سلف) بنسب عالية لتختفي أو تتوقف بحجة نقص السيولة أو ارتفاع أسعار المواد الإنشائية. وبقاء المشاريع بلا صيانة يعرضها لاندثار سريع يجعل استئناف العمل فيها يتطلب موازنات إضافية تضاهي أو تفوق التكلفة الأصلية. وغالباً ما تُحال العقود الكبرى إلى شركات وهمية أو تفتقر للمقومات الفنية والمالية نتيجة المحاصصة والمجاملات.

وعود براقة وأطروحات حازمة
من السهل على المسؤولين إطلاق حزم وعود براقة ومؤتمرات صحفية تتحدث عن “افتتاح المشاريع في النصف الأول من العام القادم”، لكنها تفتقر للواقعية وجداول المتابعة الصارمة، بينما المواطن يستهلكه خيبة الأمل بين شاشات التلفاز وواقع يبحث فيه عن مدرسة أو سرير أو طريق خالٍ من الحفر.
ولمعالجة هذا الملف، شدد خبراء ومراقبون اقتصاديون على ضرورة الانتقال لإجراءات ميدانية حازمة:
إحصاء وتصنيف شامل: دعا الخبير الاقتصادي الدكتور نبيل المرسومي إلى بدء عملية إحصائية دقيقة وتصنيف المشاريع وفق نسب الإنجاز والجدوى لتمييز ما يمكن إنقاذه عما يستوجب الإزالة والإعادة للطرح من جديد.
تطبيق القوانين الصارمة: طالب المستشار الاقتصادي ماجد الصوري بسحب العقود فوراً من الشركات المتقاعسة، وتفعيل الشروط الجزائية لاسترداد الأموال وإدراجها في القائمة السوداء.
النأي عن المحاصصة: حذر الباحث والمستشار زياد الهاشمي من خضوع المشاريع للصراعات الحزبية، داعياً لإخضاع التنفيذ والمتابعة لمكاتب استشارية هندسية رصينة ومستقلة لضمان الجودة.
الشفافية والمساءلة: اتفق الخبراء على ضرورة إلزام الجهات المعنية بنشر تفاصيل العقود والتكاليف ونسب الإنجاز عبر منصات رقمية شفافة لتفعيل المساءلة الشعبية والصحفية بحق المقصرين.

حق الرد المكفول
هذا التقرير يضع كافة الأرقام والقصص برسم الجهات الرسمية المعنية، مع التأكيد على أن باب حق الرد مكفول بالكامل لأي جهة حكومية ترغب في توضيح ملابسات تعثر أي مشروع أو تقديم الأرقام والخطط الزمنية المعدلة لرفع المعاناة عن كاهل المواطنين.
