في الثامنة من عمره، وضع والده ذراعه حول كتفه وأخبره بأن أرسنال استغنى عنه. وبعد سنوات طويلة من التدريب والإعارات والأهداف والنهائيات الضائعة، رفع هاري كين يديه إلى وجهه عندما سمع اسمه فائزًا بالكرة الذهبية.
بين اللحظتين، تمتد رحلة مهاجم لم يكن وصوله إلى القمة محسومًا منذ البداية، لكنه واصل إضافة شيء جديد إلى لعبه، حتى جمع بين براعة الهداف ورؤية صانع الألعاب.
وفي تقريرين نشرهما موقع ذا أثلتيك (The Athletic)، التابع لمجموعة نيويورك تايمز، بمناسبة تتويجه، يستعيد جاكوب وايتهيد في تقريره الأماكن التي صنعت قائد منتخب إنجلترا، بينما يتتبع جاك بيت بروك في تقريره التحولات الفنية التي نقلته من شاب يبحث عن فرصة إلى أحد أبرز مهاجمي جيله.
البداية.. أشجار بدلًا من القائمين
كانت حديقة «ريدجواي بارك» في تشينغفورد، شمال شرقي لندن، أول ملاعب كين. هناك، قرب منزل الأسرة، كان والده يقف حارسًا للمرمى، فيما يتنافس هاري مع شقيقه تشارلي، الذي يكبره بأربع سنوات.
كانت الأشجار تحدد المرمى أحيانًا، وأحيانًا أخرى تنقل الأسرة مرماها الصغير من حديقة المنزل إلى المساحة العامة. ومع مشاركة شقيقه وأصدقائه الأكبر سنًا، تعلّم كين أن عليه بذل جهد إضافي لمجاراتهم.
ثم جاءت خيبة الاستغناء عنه من أكاديمية أرسنال. لكن والده لم يحوّلها إلى حكم على مستقبله، بل طمأنه بأنهما سيعملان بجد أكبر ويبحثان عن نادٍ آخر.
عاد إلى «ريدجواي روفرز»، وخاض تجارب جديدة. وحتى توتنهام رفضه أولًا بعد فترة اختبار، قبل أن يغيّر رأيه بعدما تألق أمامه خلال وجوده مع واتفورد.
موهبة واضحة.. ومستقبل غير مضمون
يستعيد بيت بروك مشاهدته كين عام 2011، عندما شارك مع توتنهام أمام باوك اليوناني في الدوري الأوروبي، ثم تابعه مع ميلوول، الذي انتقل إليه معارًا.
كان شابًا يمتلك مهارة فنية وتسديدًا مميزًا واستعدادًا للتعلم، لكن الكاتب لم يرَ فيه آنذاك لاعبًا يمكن الجزم بوصوله إلى قمة كرة القدم.
ولم يكن مركزه المستقبلي واضحًا تمامًا: هل يملك القوة اللازمة لقيادة الهجوم؟ أم سيكون أنسب خلف المهاجم؟ بل إنه لعب في وسط الملعب مع منتخب إنجلترا ببطولة أوروبا تحت 19 عامًا عام 2012.
ويستخدم الكاتب هذه الذكريات للاعتراض على الروايات التي تجعل نجاح النجوم يبدو حتميًا منذ طفولتهم؛ فتطور كين، في قراءته، كان مسارًا متدرجًا احتاج إلى العمل والفرص.
هادئ في المدرسة.. شديد التنافس في الملعب
في مدرسة «تشينغفورد فاونديشن»، التي درس فيها ديفيد بيكهام قبله، يتذكره معلمه ومدربه دينيس ماكليغوت طالبًا متواضعًا وهادئًا، لكن بشخصية أكثر حدة عند المنافسة.
كان يعود من المباريات ليبدأ الجري والتدريب، بانضباط يفوق المعتاد لدى أقرانه. أما ميزته الفنية الأبرز، فكانت القدرة على تسديد الكرة بدقة بالقدمين، ومن مسافات ووضعيات مختلفة.
ويستعيد كين تفصيلًا من مدرسته الابتدائية: لم يكن مسموحًا لهم إلا باللعب بكرات التنس في الساحة. ويعتقد أن التعامل مع الكرة الصغيرة ربما ساعده على تطوير اللمسة والتحكم والإنهاء عندما انتقل إلى الكرة المعتادة.
ولبيكهام حضور شخصي أيضًا في الحكاية. ففي صورة التُقطت خلال افتتاح أكاديميته، يظهر كين طفلًا إلى جوار زميلته كاتي، التي أصبحت لاحقًا زوجته ورافقته إلى حفل التتويج.
فرصة لم تأتِ تلقائيًا
بدأ كين خطواته الاحترافية مع ليتون أورينت، الذي انضم إليه معارًا في يناير/كانون الثاني 2011، وهو في السابعة عشرة، بحثًا عن دقائق لعب.
وسجل أمام شيفيلد وينزداي في أول مباراة يبدأها أساسيًا بالدوري، مستبقًا المدافعين عند القائم البعيد؛ وهي القدرة على توقع مسار الكرة التي ستصبح لاحقًا من علاماته المميزة.
لكن العودة إلى توتنهام لم تمنحه مكانًا ثابتًا مباشرة. وحتى مع وصول ماوريسيو بوكيتينو في صيف 2014، بدأ خلف إيمانويل أديبايور وروبرتو سولدادو في ترتيب المهاجمين.
وعندما غاب عن مقاعد البدلاء أمام وست بروميتش، سأل مدربه عمّا ينبغي فعله للحصول على فرصة. وحين شارك، بدأت أهدافه تمنح الإجابة.
عام 2015.. المهاجم يفرض نفسه
يرى بيت بروك أن مطلع 2015 كشف حجم الإمكانات التي بدأ كين يجمعها. سجل هدفين أمام تشلسي بقيادة جوزيه مورينيو، ثم هدفين أمام أرسنال في أول ديربي لشمال لندن يبدأه أساسيًا.
كان يضيف إلى دقة التسديد قوة بدنية وقدرة على حماية الكرة والتفوق في الالتحامات والكرات الهوائية.
وتبع ذلك فوزه بالحذاء الذهبي للدوري الإنجليزي في موسمي 2015-2016 و2016-2017، برصيد 25 و29 هدفًا على التوالي، ثم تسجيله 56 هدفًا مع النادي والمنتخب خلال عام 2017.
ومع إنجلترا، اختُبرت أعصابه على المسرح الأكبر. ففي مونديال 2018، سجل هدف الفوز المتأخر أمام تونس، ثم نجح في تنفيذ ركلة جزاء خلال مباراة كولومبيا وأخرى في ركلات الترجيح، مسهمًا في تأهل المنتخب إلى ربع النهائي.
حين صار الهداف صانعًا للعب
لم يكتفِ كين بتطوير قدرته على إنهاء الهجمات. ففي سنواته الأخيرة مع توتنهام، ولا سيما تحت قيادة مورينيو، أصبح يتراجع إلى مناطق أعمق ويمرر خلف خطوط الدفاع، مستفيدًا من انطلاقات زملائه.
ويؤكد الكاتب أن هذا التحول سبق انتقاله إلى بايرن ميونيخ عام 2023؛ فقد بدأ يجمع بين وظائف المهاجم الصريح وصانع اللعب، ويؤثر في الهجمة حتى عندما يكون بعيدًا عن منطقة الجزاء.
كما يلفت إلى تنوع أهدافه: ركلات جزاء، وضربات رأس، ولمسات قريبة، وتسديدات بعيدة، ومحاولات ينفذها وهو فاقد التوازن. وفي رأيه، فإن الرغبة المستمرة في التحسن هي السمة التي تربط مراحل مسيرته.
توتنهام حاضر في ليلة ميونيخ
أصبح كين الهداف التاريخي لتوتنهام وأحد أبرز رموزه، وبلغ معه نهائي دوري أبطال أوروبا عام 2019، لكن الألقاب ظلت بعيدة خلال وجوده في النادي.
ومع انتقاله إلى بايرن، بدأ فصل جديد. ومع ذلك، بقيت علاقته بجماهير توتنهام حاضرة. وينقل وايتهيد عن صاحب مقهى قرب الملعب أمنيته بفوزه بالكرة الذهبية، مقرونة بأسف لأنه لم يحققها بقميص النادي اللندني.
وعندما أعلن الظاهرة البرازيلية رونالدو اسمه، يروي التقرير أن كين وضع يديه على وجهه، ثم نهض ليعانق زملاءه في بايرن، فيما تعالت الهتافات باسمه داخل مسرح «لندن بالاديوم».
وفي مركز «بيتر ماي» الرياضي، حيث يتدرب أطفال ناديه الأول، يجلس تمثال لكين حاملًا كرة ومواجهًا الملاعب. هناك تتواصل تدريبات التسديد، في المكان الذي يعود إليه بانتظام، بعدما حملته رحلته من ملاعب الحي إلى منصة الكرة الذهبية.
كين يعيد الكرة الذهبية إلى إنجلترا بعد 25 عامًا
وكان كين توج بالكرة الذهبية، الاثنين في لندن، ليصبح أول إنجليزي يفوز بالجائزة منذ مايكل أوين عام 2001، بعد موسم استثنائي سجل خلاله 73 هدفًا مع ناديه ومنتخب بلاده، بحسب وكالة أسوشيتد برس.
وقاد مهاجم بايرن ميونيخ، البالغ 33 عامًا، فريقه إلى ثنائية الدوري والكأس في ألمانيا، وسجل ثلاثة أهداف أمام شتوتغارت في نهائي الكأس، فيما بلغ الفريق نصف نهائي دوري أبطال أوروبا.
وفي كأس العالم، أحرز كين ستة أهداف، متجاوزًا غاري لينيكر ليصبح الهداف التاريخي لإنجلترا في البطولة، ويدخل قائمة أبرز خمسة هدافين بتاريخها. وأنهى المنتخب المنافسات ثالثًا، بعد خسارته أمام الأرجنتين في نصف النهائي وفوزه على فرنسا بمباراة تحديد المركز الثالث.
وتقدم كين في التصويت على كيليان مبابي ولامين يامال ورودري وليونيل ميسي، بينما نال يامال جائزة أفضل لاعب شاب للمرة الثالثة تواليًا.
وفي كلمة مؤثرة، استعاد كين صعوبات بداياته، مؤكدًا أن رحلته لم تكن مباشرة نحو القمة، وأن العمل والمثابرة والثقة بالنفس صنعت الفارق.
ووجّه رسالة إلى اللاعبين الصغار بأن تجاوز الإخفاقات جزء من النجاح، وشكر زملاءه ومدربيه وأسرته وزوجته كاتي على دعمهم.
ووصف التتويج بأنه مصدر فخر لإنجلترا، معتبرًا إقامة الحفل في لندن فألًا حسنًا، ومؤكدًا أن تمثيل منتخب بلاده يظل أعظم شرف في مسيرته، بعد انتظار طويل شهد تألق أجيال من اللاعبين الإنجليز.