أوروبا تحت قبة من النار.. كيف تحمي نفسك من الحر؟

يونيو 24, 2026
70

أوروبا تشهد واحدة من أشد موجات الحر المبكرة في تاريخها الحديث

تشهد أوروبا واحدة من أشد موجات الحر المبكرة في تاريخها الحديث، مع تجاوز درجات الحرارة حاجز 45 درجة مئوية في بعض المناطق، وتزايد الضغوط على شبكات الكهرباء والخدمات الصحية.

ويحذر العلماء من أن ما يحدث ليس مجرد ظاهرة جوية عابرة، بل نتيجة تداخل عوامل مناخية استثنائية مع التأثير المتسارع لتغير المناخ، ما يثير تساؤلات حول ما إذا كانت القارة تدخل عصراً جديداً من الحر الشديد.

وتتعرض عدة دول أوروبية لموجة حر قاسية دفعت درجات الحرارة إلى مستويات غير معتادة في هذا الوقت من العام، فيما تكافح الحكومات للتعامل مع الطلب المتزايد على الكهرباء بسبب الاستخدام المكثف لأجهزة التبريد.

وتسببت الحرارة المرتفعة في ضغوط كبيرة على البنية التحتية للطاقة، مع تحذيرات من انقطاعات كهربائية محتملة في بعض المناطق إذا استمرت الأحمال المرتفعة.

ما هي ظاهرة “أوميغا بلوك”؟

يربط خبراء الأرصاد الجوية جزءاً كبيراً من هذه الموجة بما يعرف بـ”أوميغا بلوك” (Omega Block)، وهي ظاهرة جوية تتشكل عندما يستقر نظام ضغط جوي مرتفع بين منخفضين جويين، فيأخذ شكل حرف أوميغا اليوناني (Ω).

وتعمل هذه القبة الجوية على حبس الهواء الساخن فوق منطقة معينة لأيام أو حتى أسابيع، ما يمنع دخول كتل هوائية أبرد ويؤدي إلى ارتفاع متواصل في درجات الحرارة.

 

تغير المناخ يزيد الأزمة

يؤكد العلماء أن ظاهرة أوميغا بلوك ليست جديدة، لكن الاحترار العالمي يجعل آثارها أكثر قسوة. فمع ارتفاع متوسط حرارة الأرض بسبب انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري، أصبحت موجات الحر الحالية أكثر شدة وأطول مدة مقارنة بما كانت عليه قبل عقود.

وبعبارة أخرى، فإن الأنظمة الجوية التي كانت تسبب سابقاً أياماً حارة أصبحت اليوم قادرة على إنتاج درجات حرارة قياسية تهدد الصحة العامة والاقتصاد، ما دفع الأطباء إلى وصفها بـ”القاتل الصامت” لأنها تحصد أرواح مئات الآلاف سنوياً دون أن تظهر غالباً في شهادات الوفاة كسبب مباشر.

فكيف تقتل الحرارة المرتفعة البشر؟ ومن هم الأكثر عرضة للخطر؟ ولماذا أصبحت الليالي الحارة مصدر قلق متزايد؟ إليكم أبرز الحقائق التي يشرحها الخبراء.

كم شخصاً تقتل موجات الحر سنوياً؟

تشير التقديرات إلى أن الطقس الحار يتسبب في وفاة نحو نصف مليون شخص حول العالم كل عام. ورغم أن هذا الرقم يفوق عدد ضحايا الحروب أو الهجمات الإرهابية، فإنه غالباً لا يحظى بالاهتمام نفسه.

ويعود ذلك إلى أن الحرارة لا تقتل عادة بشكل مباشر، بل تؤدي إلى تفاقم أمراض مزمنة مثل أمراض القلب والرئتين والكلى، ما يسرّع الوفاة لدى الأشخاص الأكثر هشاشة صحياً.

كيف تؤثر الحرارة الشديدة على الجسم؟

عندما ترتفع درجات الحرارة، يبذل الجسم جهداً إضافياً للحفاظ على درجة حرارته الطبيعية. ويجبر ذلك القلب والكليتين على العمل بوتيرة أعلى، ما يزيد الضغط على أجهزة الجسم الحيوية.

وقد يكون هذا الإجهاد قاتلاً لكبار السن أو المصابين بأمراض مزمنة حتى قبل الوصول إلى مرحلة ضربة الشمس. كما ترتبط موجات الحر بزيادة الحوادث وتدهور جودة الهواء واندلاع حرائق الغابات وانقطاع الكهرباء، وهو ما يضاعف المخاطر الصحية.

لماذا تعد الليالي الحارة خطيرة؟

لا يقتصر الخطر على حرارة النهار فقط. فعندما تبقى درجات الحرارة مرتفعة ليلاً، يفقد الجسم فرصة التعافي من الإجهاد الحراري الذي تعرض له خلال النهار.

ولهذا يولي العلماء اهتماماً متزايداً لما يسمى “الليالي الاستوائية” التي لا تنخفض فيها الحرارة عن 20 درجة مئوية. وفي بعض المناطق الإسبانية ظهرت أوصاف جديدة لليالي التي تتجاوز فيها الحرارة 30 درجة مئوية، وأطلق عليها البعض اسم “الليالي الجحيمية” بسبب تأثيرها القاسي على صحة الإنسان ونوعية النوم.

من هم الأكثر عرضة للخطر؟

الأشخاص الذين يعملون أو يقضون وقتاً طويلاً في الخارج، مثل عمال البناء والمزارعين، يواجهون خطراً أكبر للإصابة بالإجهاد الحراري وضربات الشمس.

لكن معظم الوفيات المرتبطة بالحرارة تسجل بين كبار السن والمصابين بأمراض مزمنة. كما أن النساء أكثر عرضة للوفاة المرتبطة بالحرارة مقارنة بالرجال، في حين يواجه ذوو الدخل المحدود مخاطر إضافية بسبب ضعف الوصول إلى التكييف أو المساكن المعزولة حرارياً أو المساحات الخضراء.

لماذا تجعل الرطوبة الحرارة أكثر قسوة؟

يعتمد الجسم على التعرق لتبريد نفسه. لكن عندما تكون الرطوبة مرتفعة، يصبح تبخر العرق أكثر صعوبة، ما يحد من قدرة الجسم على التخلص من الحرارة.

ولهذا قد يشعر الإنسان بأن الحرارة أعلى بكثير من الرقم المسجل فعلياً، وهو فارق قد يكون كافياً للانتقال من حالة الانزعاج إلى الخطر الصحي الحقيقي.

لماذا أصبحت موجات الحر أشد من الماضي؟

يربط العلماء هذا التغير بارتفاع تركيز الغازات المسببة للاحتباس الحراري الناتجة عن حرق الوقود الأحفوري. فقد ارتفع متوسط حرارة الأرض بنحو 1.3 درجة مئوية مقارنة بفترة ما قبل الثورة الصناعية، ما جعل موجات الحر أكثر تكراراً وشدة.

كما تشير بعض الدراسات إلى أن تغير المناخ قد يسهم في إضعاف التيار النفاث في الغلاف الجوي، ما يسمح بتشكل “قباب حرارية” تبقى فوق منطقة معينة لأيام أو أسابيع وتؤدي إلى ارتفاعات قياسية في درجات الحرارة.

هل سيؤدي الاحترار العالمي إلى تقليل الوفيات الناتجة عن البرد؟

صحيح أن البرد يتسبب حالياً في وفيات أكثر من الحر في أجزاء كثيرة من العالم، لكن العلماء يتوقعون أن ترتفع الوفيات الناتجة عن الحرارة بوتيرة أسرع بكثير من انخفاض الوفيات المرتبطة بالبرد.

وتشير النماذج المناخية إلى أن الحصيلة النهائية ستكون زيادة صافية في عدد الوفيات المرتبطة بدرجات الحرارة مستقبلاً.

كيف يمكن التكيف مع موجات الحر؟

يرى الخبراء أن الحد من انبعاثات الوقود الأحفوري يبقى الحل الأساسي لمنع تفاقم المشكلة مستقبلاً.

وعلى مستوى المدن، يدعون إلى زيادة المساحات الخضراء والمسطحات المائية وتقليل الخرسانة والسيارات، للحد من ظاهرة “الجزيرة الحرارية” التي تجعل المدن أكثر سخونة من المناطق الريفية المحيطة بها.

كما يمكن للمباني المجهزة بأنظمة تبريد فعالة، إلى جانب أنظمة الرعاية الصحية القوية والتحذيرات المبكرة، أن تقلل بشكل كبير من أعداد الوفيات.

هل أجهزة التكييف جزء من المشكلة؟

تستهلك أجهزة التكييف كميات كبيرة من الطاقة، وقد تسهم في زيادة الانبعاثات إذا كان مصدر الكهرباء هو الوقود الأحفوري.

ومع ذلك، يرى كثير من الخبراء أن فوائد التكييف في حماية الفئات الأكثر عرضة للخطر تفوق أضراره الحالية، خصوصاً مع تزايد موجات الحر الشديدة. ولهذا أوصت لجنة تغير المناخ البريطانية بتزويد جميع دور الرعاية والمستشفيات بالتكييف خلال العقد المقبل.

كيف تحمي نفسك أثناء موجة الحر؟

ينصح الأطباء باتباع مجموعة من الإجراءات البسيطة لكنها فعالة:

تجنب الخروج خلال ساعات الذروة الحارة.

البقاء في الظل قدر الإمكان.

شرب الماء بانتظام حتى دون الشعور بالعطش.

ارتداء ملابس خفيفة وفضفاضة.

إغلاق النوافذ نهاراً وفتحها ليلاً عندما تنخفض الحرارة.

استخدام الستائر أو الحواجز لمنع أشعة الشمس المباشرة.

الاطمئنان على كبار السن والمرضى والأشخاص الأكثر هشاشة في محيطك.

واقع متكرر

مع تسارع تغير المناخ، لم تعد موجات الحر حدثاً استثنائياً بل أصبحت واقعاً متكرراً في أجزاء واسعة من العالم. والخطر الأكبر أنها تقتل بصمت، عبر استنزاف الجسم وتفاقم الأمراض الموجودة مسبقاً. لذلك فإن الوعي بالمخاطر واتخاذ إجراءات الوقاية قد يكونان الفارق بين السلامة والخطر في صيف يزداد سخونة عاماً بعد عام.

اترك تعليقاً