تحول غير مسبوق داخل الناتو.. أوروبا تستعد لمرحلة ما بعد المظلة الأميركية

يوليو 5, 2026
123

قوات الناتو أثناء مناورة تدريبية سابقة ( صفحة الناتو على إكس)

في تحليل موسع، يرصد تقرير نشرته صحيفة إل باييس الإسبانية، اليوم الأحد، التحول الجذري الذي تشهده أوروبا في سياساتها الدفاعية، مع سعيها إلى بناء قوة عسكرية أكثر استقلالًا داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وسط تصاعد التهديد الروسي وتزايد الشكوك بشأن التزام الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأمن القارة الأوروبية.

وتؤكد الصحيفة أن أوروبا تشهد أكبر عملية إعادة تسليح منذ نهاية الحرب الباردة، مدفوعة بثلاثة عوامل رئيسية: استمرار الحرب في أوكرانيا، وتصاعد التهديد الروسي، وتراجع الثقة في استمرار المظلة الأمنية الأميركية.

تستعد الدول الأوروبية لإعادة تشكيل البنية الأمنية للقارة، من خلال زيادة غير مسبوقة في الإنفاق العسكري، وسد الفجوات التي قد يتركها تقليص الوجود العسكري الأميركي في أوروبا.

تشير الصحيفة إلى أن ترامب، الذي وصف حلف الناتو في أكثر من مناسبة بأنه “نمر من ورق”، يواصل التشكيك في التزام بعض الحلفاء الأوروبيين، ما يفرض ضغوطًا غير مسبوقة على تماسك الحلف.

قمة الناتو 
تتجه الأنظار إلى قمة الناتو المقررة في العاصمة التركية أنقرة يومي 7 و8 يوليو/ تموز، والتي تصفها الصحيفة بأنها قد تكون من أكثر القمم حساسية في تاريخ الحلف الممتد منذ 77 عامًا، لأنها ستختبر مستقبل العلاقة بين الولايات المتحدة وأوروبا.

تسبق القمة مراجعة أميركية تستمر ستة أشهر لتقييم الوجود العسكري الأميركي في أوروبا ومدى التزام الحلفاء بتحمل أعباء الدفاع، وهو ما يزيد من القلق الأوروبي.

انتقال نحو “ناتو أوروبي”

ينقل التقرير عن المسؤول البريطاني السابق في الناتو جيمي شيا قوله إن العودة إلى صيغة “التحالف الأطلسي التقليدي” لم تعد ممكنة، مضيفًا أن البديل الوحيد يتمثل في “ناتو تقوده أوروبا”، يعتمد على قيادة أوروبية وهيكل عسكري أوروبي، مع بقاء مساهمة الولايات المتحدة خيارًا إضافيًا وليس أساسًا للحلف.

ووفقًا لمسودة البيان الختامي للقمة، يجري العمل على صيغة تقوم على “أوروبا أقوى داخل ناتو أقوى”، بما يعكس انتقالًا تدريجيًا نحو تقاسم أكبر للمسؤوليات الدفاعية.

مفارقة أميركية

يلفت التقرير إلى وجود مفارقة واضحة؛ فواشنطن تطالب أوروبا بزيادة قدراتها العسكرية، لكنها في الوقت نفسه ترغب في الاحتفاظ بالقيادة الاستراتيجية للحلف، كما تتوقع أن تذهب معظم صفقات التسليح الأوروبية إلى الشركات الأميركية.

وترى الباحثة والمحللة في المعهد الملكي للشؤون الدولية “تشاتام هاوس” كاتيا بيغو أن الإدارة الأميركية تنظر بريبة إلى توجه أوروبا نحو “الاستقلال الاستراتيجي” وزيادة الاعتماد على الصناعات الدفاعية الأوروبية، معتبرة أن هذا التحول قد يصبح مصدر توتر متزايد بين الجانبين.

تقليص الوجود العسكري الأميركي

يكشف التقرير أن الولايات المتحدة أبلغت حلفاءها بخطط لتقليص جزء كبير من قدراتها العسكرية المخصصة للناتو، تشمل:

خفض عدد المقاتلات بنحو الثلث.

تقليص القاذفات الاستراتيجية إلى النصف.

وقف مساهمة المدمرات والغواصات في الخطط الدفاعية للحلف.

تقليص طائرات التزود بالوقود والطائرات المسيّرة المسلحة.

كما بدأت واشنطن بالفعل سحب نحو خمسة آلاف جندي من ألمانيا، بينهم لواء مدرع ووحدة صواريخ بعيدة المدى، إضافة إلى تجميد خطة نشر صواريخ “توماهوك” على الأراضي الألمانية.

ويربط التقرير هذه الخطوات بالتحول الأميركي نحو منطقة المحيطين الهندي والهادئ، إضافة إلى الخلافات السياسية مع المستشار الألماني فريدريش ميرتس بشأن الحرب الأخيرة على إيران.

فجوة دفاعية مقلقة

تحذر الباحثة في مجلس العلاقات الخارجية  الأميركي ليانا فيكس  من أن أخطر مرحلة ستكون الفترة الفاصلة بين انسحاب القدرات الأميركية ووصول البدائل الأوروبية، معتبرة أنها قد تمثل أكبر تحدٍ لسياسة الردع منذ أوائل تسعينيات القرن الماضي.

ورغم ارتفاع الإنفاق العسكري الأوروبي إلى مستويات قياسية، تؤكد الصحيفة أن الأموال وحدها لا تكفي، لأن أوروبا ما زالت تعتمد بدرجة كبيرة على الولايات المتحدة في مجالات الاستخبارات، والاستطلاع، والأقمار الصناعية، وأنظمة القيادة والسيطرة.

إنفاق قياسي

ارتفع الإنفاق الدفاعي للدول الأوروبية وكندا بنسبة 20% خلال عام 2025 مقارنة بالعام السابق، وهو أكبر ارتفاع سنوي منذ عام 1953.

وبلغ إجمالي الإنفاق الدفاعي الأوروبي والكندي أكثر من 574 مليار دولار، فيما اقترب إجمالي إنفاق دول الناتو من 1.6 تريليون دولار سنويًا.

ومنذ عام 2016، أضافت الدول الأوروبية وكندا نحو 1.2 تريليون دولار إلى ميزانياتها الدفاعية.

دعوات إلى اتحاد دفاعي أوروبي

يرى جيمي شيا أن أوروبا تحتاج إلى بناء “اتحاد دفاعي حقيقي”، يقترح أن يقوم على ثلاثة محاور رئيسية:

تحويل المناصب القيادية العسكرية في الناتو تدريجيًا إلى قادة أوروبيين.

إنشاء مجلس أمن أوروبي تقوده فرنسا وألمانيا وبولندا والمملكة المتحدة وإيطاليا.

توحيد برامج التسليح الأوروبية لتقليل التشتت، إذ تشغل الجيوش الأوروبية حاليًا خمسة أنواع مختلفة من الطائرات المقاتلة و14 نوعًا من المدرعات.

استقلال دفاعي تدريجي
تخلص صحيفة إل باييس إلى أن أوروبا كانت تخطط للتحول نحو استقلال دفاعي تدريجي على مدى عقدين أو ثلاثة عقود، لكن سياسات ترامب وضغوطه دفعتها إلى محاولة إنجاز هذا التحول خلال أقل من عشر سنوات. وتطرح الصحيفة سؤالًا محوريًا: هل يستطيع حلف الناتو إعادة ابتكار نفسه بسرعة كافية للتكيف مع ميزان القوى الجديد، أم أن التحالف يدخل مرحلة غير مسبوقة من إعادة التشكل؟

حول هذه القصة

ذي إيكونومست ترى أن الحرب في أوكرانيا أعادت إحياء أهمية الناتو بالنسبة لأنقرة

أنقرة تعيد حساباتها.. لماذا تراهن تركيا على الناتو من جديد؟

التنافس بين واشنطن وبكين سيظل أحد العوامل الرئيسية التي ستشكل النظام الدولي خلال العقود المقبلة (الصحافة الصينية)

الحرب الباردة الثانية.. كيف باتت الصين المنافس الأول لأميركا؟

روسيا أقامت عرضا عسكريا في موسكو بمناسبة ذكرى الانتصار السوفييتي على ألمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية (تاس)

روسيا تحتفل بـ”يوم النصر” وسط هدنة هشة مع أوكرانيا

اترك تعليقاً