أوج24الدوحةمباشر
عاجل
00:00:00
سياسة وتحليلات

صانعة العراق الحديث أم مهندسة أزماته؟.. إرث مس بيل يعود إلى الواجهة

صانعة العراق الحديث أم مهندسة أزماته؟.. إرث مس بيل يعود إلى الواجهة

تمر هذه الأيام الذكرى المئوية لوفاة غيرترود بيل (مس بيل)، المرأة البريطانية التي ارتبط اسمها بولادة الدولة العراقية الحديثة أكثر من أي شخصية أجنبية أخرى.

فقبل قرن من الزمن، توفيت في بغداد عن عمر ناهز 57 عامًا، بعد حياة استثنائية جمعت بين الاستكشاف وعلم الآثار والعمل الاستخباراتي والدبلوماسية، لتترك وراءها إرثًا لا يزال يثير الجدل حتى اليوم.

وتصفها بعض المصادر بـ”صانعة العراق الحديث”، فيما يرى آخرون أنها ساهمت في رسم حدود دولة حملت منذ ولادتها بذور أزمات استمرت لعقود. وبين هذين التقييمين، تبقى قصة “مس بيل” واحدة من أكثر القصص إثارة في تاريخ الشرق الأوسط.

المرأة التي رسمت حدود العراق

بحسب صحيفة الغارديان، لم تكن غيرترود بيل مجرد رحالة أو عالمة آثار، بل كانت واحدة من أكثر الشخصيات تأثيرًا في رسم خريطة الشرق الأوسط بعد الحرب العالمية الأولى.

فبعد انهيار الدولة العثمانية، لعبت دورًا محوريًا داخل الإدارة البريطانية في بغداد، وأسهمت في دمج ولايات الموصل وبغداد والبصرة لتشكيل الدولة العراقية الحديثة.

وفي رسالة إلى والدها عام 1921، كتبت بيل ما أصبح من أشهر اقتباساتها: “قضيت صباحًا مثمرًا في المكتب أرسم الحدود الجنوبية لصحراء العراق.”

العقل المدبر خلف تتويج الملك فيصل الأول

كانت بيل من أبرز الداعمين لتنصيب الأمير الهاشمي فيصل الأول ملكًا على العراق عام 1921، بعد مؤتمر القاهرة الذي دعا إليه ونستون تشرشل.

وكانت المرأة الوحيدة المشاركة في ذلك المؤتمر، وأسهمت في إقناع لندن بأن العراق قادر على إدارة شؤونه من خلال حكومة عربية، وإن بقي تحت النفوذ البريطاني.

“الخاتون”… الاسم الذي بقي في ذاكرة العراقيين

يشير الكاتب إلى أن العراقيين أطلقوا عليها لقب “الخاتون”، أي السيدة الرفيعة، بسبب مكانتها وعلاقاتها الواسعة مع شيوخ القبائل والزعماء المحليين.

ويقول إن اسمها ظل حاضرًا في بغداد حتى بعد عقود، إذ كان يُستحضر بوصفه رمزًا لمرحلة مختلفة من تاريخ المدينة.

عالمة آثار أنقذت تراث العراق

لم يقتصر دور بيل على السياسة، بل كانت من أوائل من طالبوا ببقاء الآثار العراقية داخل البلاد، بدلاً من نقلها إلى المتاحف الأوروبية.

وبفضل جهودها، تأسس المتحف العراقي في بغداد عام 1923، ليصبح أحد أهم المؤسسات الثقافية في الشرق الأوسط.

وترى مصادر تاريخية أن هذا الإنجاز يعد من أكثر إرثها استمرارًا حتى اليوم.

رحالة استثنائية كسرت قيود عصرها

قبل دخولها عالم السياسة، حققت بيل شهرة واسعة بوصفها:

  • أول امرأة بريطانية تنال مرتبة الشرف الأولى في التاريخ الحديث بجامعة أكسفورد.
  • متسلقة جبال بارزة، سُميت إحدى قمم جبال الألب باسمها.
  • متحدثة بست لغات، بينها العربية والفارسية والتركية.
  • رحالة قطعت صحارى العراق وسوريا والأردن وإيران وتركيا على ظهور الخيل والجمال.

وكانت تجمع في رحلاتها بين الأناقة الأوروبية والأسلحة التي تخفيها تحت ملابسها تحسبًا للمخاطر.

السياسات التي ساهمت بيل والمندوب السامي البريطاني بيرسي كوكس في ترسيخها تركت آثارًا عميقة على العراق
السياسات التي ساهمت بيل والمندوب السامي البريطاني بيرسي كوكس في ترسيخها تركت آثارًا عميقة على العراق ( السفارة البريطانية في العراق على إكس)

لكن إرثها لا يخلو من الجدل

يرى كاتب الغارديان أن السياسات التي ساهمت بيل والمندوب السامي البريطاني بيرسي كوكس في ترسيخها تركت آثارًا عميقة على العراق، من بينها: احتواء الزعامات القبلية عبر الامتيازات وتهميش المرجعيات الشيعية في بعض المراحل واستخدام القوة العسكرية والطيران لقمع التمردات وتثبيت السيطرة على المناطق الكردية لأسباب استراتيجية.

ويشير المقال إلى أن بعض هذه السياسات استمرت لاحقًا في عهود الحكومات العراقية المتعاقبة، وصولًا إلى حزب البعث.

أخطأت في تقدير المجتمع العراقي

رغم خبرتها الواسعة، يعتقد الكاتب أن بيل وقعت في خطأين كبيرين:

  • المبالغة في تقدير شعبية الإدارة البريطانية داخل العراق.
  • التقليل من تأثير الدين والمرجعيات الدينية في الحياة السياسية.

ففي عام 1920، كانت تعتقد أن العراقيين يتجهون نحو التعاون مع بريطانيا، لكن بعد أسابيع فقط اندلعت ثورة العشرين، التي كلفت آلاف القتلى من العراقيين ومئات الجنود البريطانيين.

النهاية في بغداد

في سنواتها الأخيرة، ابتعدت بيل تدريجيًا عن السياسة، وعادت إلى شغفها القديم بعلم الآثار.

لكن صحتها تدهورت، وعانت من الإرهاق والاكتئاب، إلى أن توفيت في بغداد في 12 يوليو/تموز 1926 بعد تناول جرعة زائدة من الحبوب المنومة، ولا يزال الجدل قائمًا حول ما إذا كانت وفاتها حادثًا أم انتحارًا.
ودُفنت في المقبرة البريطانية في بغداد، وأقيمت لها جنازة عسكرية حضرها الملك فيصل الأول.

مؤسسة “التراث الإنجليزي”

إرث لا يزال حاضرًا بعد قرن

بعد مرور مئة عام على رحيلها، لا تزال غيرترود بيل شخصية مثيرة للجدل.

ففي بريطانيا تُكرَّم باعتبارها رحالة وعالمة آثار ودبلوماسية بارزة، ووضعت لوحة تذكارية على منزلها في لندن عام 2019.

أما في العراق، فينقسم المؤرخون بين من يعتبرها مهندسة الدولة الحديثة، ومن يرى أنها أسهمت في بناء نظام سياسي حمل في داخله تناقضات انفجرت لاحقًا.

يصعب اختزال غيرترود بيل في وصف واحد؛ فهي مستكشفة، وعالمة آثار، ودبلوماسية، وموظفة استخبارات، وواحدة من أكثر الشخصيات الأجنبية تأثيرًا في تاريخ العراق الحديث. وبعد قرن على وفاتها، لا يزال السؤال مطروحًا: هل كانت “الخاتون” صانعة العراق الحديث، أم أن الحدود والسياسات التي ساعدت في رسمها كانت بداية أزمات استمرت لعقود؟

المصادر / الغارديان –  مؤسسة “التراث الإنجليزي”

كتب بواسطة

karimhussein06

فريق أوج24 التحريري يتابع الخبر ويضعه في سياقه بوضوح وسرعة.

اقرأ أيضاً

أخبار مرتبطة

اختيارات أوج24

قد يهمك أيضاً

شارك برأيك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.