في كونٍ موازٍ… هناك نسخة أخرى منك تعيش حياة مختلفة تماماً

مايو 17, 2026
116

الإنسان مجرد جزء من شبكة هائلة من التفاعلات والاحتمالات (صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي)

في واحدة من أكثر النظريات إثارة للجدل في الفيزياء الحديثة، طرح الفيزيائي  البريطاني من جامعة “أكسفورد” فلاتكو فيدرال فكرة تقول إن هناك نسخاً لا تُحصى من حياتك قد تكون موجودة بالفعل في “أكوان موازية”، وكل نسخة تشكّلت نتيجة قرارات صغيرة أو أحداث دقيقة حدثت في الكون.

وبحسب النظرية، فإن كل اختيار بسيط — وظيفة قبلتها، مدينة انتقلت إليها، أو شخص تزوجته — قد يؤدي إلى تشكّل واقع مختلف بالكامل، تعيش فيه نسخة أخرى منك حياة مغايرة تماماً.

وتستند الفكرة إلى أحد أكثر مفاهيم ميكانيكا الكم غرابة، والمعروف باسم “تفسير العوالم المتعددة”، والذي يفترض أن الواقع لا يسير في خط زمني واحد ثابت، بل ينقسم باستمرار إلى عوالم متوازية مع كل تفاعل كمي يحدث في الكون.

وأوضح فيدرال، في مقال نشره موقع ” بوبيولار ميكانيكس”، أن البشر لا “يصنعون” الواقع بمجرد مراقبته، كما تروّج بعض أفكار التنمية البشرية وثقافة “التجلي” المنتشرة على الإنترنت.

بدلاً من ذلك، يؤكد أن الواقع يتغيّر طبيعياً عبر التفاعلات الفيزيائية العادية التي تحدث كل ثانية، سواء لاحظها البشر أم لا.

ويعني ذلك — وفقاً للنظرية — أن حياتك الحالية قد تكون مجرد نتيجة واحدة ممكنة بين نتائج عديدة أخرى لخيارات اتخذتها نسخ مختلفة منك في أكوان موازية.

وفي مكان ما من تلك الأكوان، قد توجد نسخة منك أكثر ثراءً، أو نجاحاً، أو سعادة، أو ربما اتخذت قراراً صغيراً غيّر حياتها بالكامل.

ويشرح المقال أن ميكانيكا الكم تدرس سلوك الجسيمات الدقيقة الأصغر من الذرات، حيث يمكن للجسيمات أن توجد في أكثر من حالة في الوقت نفسه حتى تتفاعل مع شيء آخر.

ومن أشهر الأمثلة على ذلك “الفوتونات” أو جسيمات الضوء، التي يمكنها — نظرياً — أن تسلك مسارين مختلفين في الوقت نفسه، إلى أن يحدث تفاعل أو قياس يغيّر النتيجة.

ولسنوات طويلة، ارتبط هذا المفهوم بما يُعرف بـ”تأثير المراقب”، أي أن مراقبة الجسيم تجبره على اتخاذ حالة نهائية واحدة.

لكن هذه الفكرة تحولت مع الوقت إلى مادة شائعة في الثقافة الشعبية، حيث روّج بعض المؤثرين ومدربي التنمية البشرية لفكرة أن الوعي البشري قادر على “تشكيل الواقع” وجذب المال أو الحب أو النجاح بمجرد التفكير.

غير أن فيدرال يرى أن هذا فهم خاطئ لميكانيكا الكم، مؤكداً أن الوعي البشري ليس العنصر الحاسم كما يعتقد البعض.

فأي تفاعل بسيط — مثل اصطدام ذرات الغبار في الفضاء أو ارتداد الجسيمات عن بعضها أو حتى مرور فوتون عبر عدسة نظارة شمسية — يمكنه أن يغيّر مسار الواقع دون أي تدخل بشري.

وضرب مثالاً بالنظارات الشمسية: ففي أحد الاحتمالات يمر الفوتون عبر العدسة إلى العين، وفي احتمال آخر تمنعه العدسة بالكامل. ووفق “تفسير العوالم المتعددة”، فإن الاحتمالين يواصلان الوجود معاً في فرعين مختلفين من الواقع.

وبما أن هذه التفاعلات الكمية تحدث بلا توقف في أنحاء الكون، فإن الواقع — نظرياً — قد ينقسم إلى نسخ لا نهائية في كل ثانية.

ورغم أن العلماء لا يقولون إن البشر قادرون على الانتقال بين الأكوان أو مقابلة نسخهم الأخرى، كما لا يوجد دليل مباشر حتى الآن على وجود تلك الأكوان الموازية، فإن عدداً من الفيزيائيين يعتبر النظرية “محترمة علمياً” لأنها تنطلق مباشرة من معادلات ميكانيكا الكم.

في المقابل، تبقى النظرية مثيرة للجدل، لأن الأكوان الموازية لا يمكن رصدها أو اختبارها عملياً حتى الآن، ما يدفع كثيراً من العلماء إلى اعتبارها تفسيراً فلسفياً للرياضيات أكثر من كونها حقيقة مثبتة.

ومع ذلك، تستمر الفكرة في جذب الاهتمام لأنها تطرح أسئلة عميقة حول الإرادة الحرة والوعي وطبيعة الوجود نفسه.

ويخلص فيدرال إلى أن الدرس الحقيقي ليس أن البشر يتحكمون بالكون بعقولهم، بل أن الإنسان مجرد جزء من شبكة هائلة من التفاعلات والاحتمالات التي تشكّل الواقع باستمرار.

وفي مكان ما عبر تلك الاحتمالات اللامتناهية، قد تكون هناك بالفعل نسخة أخرى منك تعيش حياة مختلفة تماماً.

المصدر: ديلي ميل

اترك تعليقاً