كانت الجزيرة الواقعة في جنوب المحيط الهادئ تُعرف سابقًا باسم “ناورو”، لكن رئيسها صعد إلى منبر الأمم المتحدة ليطلب من العالم شيئًا يبدو بسيطًا: أن ينادي بلاده باسمها الحقيقي الذي ينطق به سكانها بلغتهم الأصلية.
في خطاب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، أعلن رئيس الدولة الصغيرة في جنوب المحيط الهادئ، ديفيد أديانغ، أن الاسم الذي عرفها به العالم لعقود، “ناورو” Nauru، أصبح من الماضي، وأن بلاده تستعيد اسمها الأصلي: “ناويرو” Naoero.
لكن الأمر، كما أوضح الرئيس، لا يتعلق بمجرد تغيير بضعة أحرف على الخرائط والوثائق الرسمية، بل بمحاولة استعادة جزء من الهوية واللغة والتاريخ بعد عقود طويلة من التأثير الاستعماري.
وقال أديانغ في عبارة لخصت رسالته: «هناك لحظات في حياة الأمم يُطلب فيها من شعوبها أن تتذكر من كانت دائمًا.. وهذه لحظتنا».
لماذا غيرت «ناورو» اسمها؟
بحسب “أسوشيتد برس” و”نيويورك تايمز”، ترى الحكومة أن ما حدث ليس تغييرًا للاسم بقدر ما هو استعادة للاسم الذي استخدمه سكان الجزيرة بلغتهم الأصلية منذ زمن طويل.
فالبلاد تُعرف في لغتها المحلية باسم ناويرو” Naoero، لكن بعض الأجانب الذين وصلوا إلى الجزيرة وجدوا صعوبة في نطقه، فتحول تدريجيًا إلى “ناورو” Nauru، وهو الاسم الذي تبناه العالم لاحقًا.
وشرح أديانغ الأمر بقوله إن «ناورو» هو الشكل الذي بدا به الاسم لمن وجدوا صعوبة في نطقه، لكنه «ليس الاسم الذي كان شعبنا يستخدمه بين أفراده».
وكيف يُنطق الاسم الجديد؟
الاسم هو Naoero، ويقترب نطقه بالإنجليزية من «ناو-إيرو»، مع اختلاف طفيف بحسب اللهجة.
ولن يقتصر التغيير على اسم الدولة؛ فالرمز الدولي للبلاد سيتحول من NRU إلى NRO، كما سيتغير الاسم المستخدم للإشارة إلى سكانها من Nauruan إلى dei-Naoero.
ما هذه الدولة أصلًا؟
«ناويرو» جزيرة صغيرة جدًا في جنوب المحيط الهادئ، تبلغ مساحتها نحو ثمانية أميال مربعة، أي قرابة 21 كيلومترًا مربعًا.
وهي ثاني أصغر دولة كاملة العضوية في الأمم المتحدة من حيث المساحة بعد موناكو، كما أنها من أصغر دول العالم سكانًا، إذ يعيش فيها نحو 11 إلى 12 ألف نسمة.
العاصمة: مدينة يارين (المنطقة الإدارية الأبرز وأكثرها اكتظاظاً بالسكان).
اللغات الرسمية: اللغة الناويروية واللغة الإنجليزية.
العملة: الدولار الأسترالي
وتشير «نيويورك تايمز» إلى أن البشر عاشوا في الجزيرة منذ نحو ثلاثة آلاف عام، قبل أن يبدأ التدخل الغربي فيها خلال القرن الثامن عشر.
وما علاقة الاستعمار بالاسم؟
مرت الجزيرة خلال تاريخها الحديث تحت سيطرة قوى عدة، بينها ألمانيا وأستراليا واليابان، كما خضعت لترتيبات إدارية شاركت فيها بريطانيا ونيوزيلندا وأستراليا، قبل أن تحصل على استقلالها عام 1968 تحت اسم «ناورو».
وهنا تكتسب استعادة الاسم القديم دلالتها.
فبالنسبة إلى الحكومة، الاسم ليس مجرد علامة جغرافية، وإنما جزء من اللغة والذاكرة الجماعية والهوية التي سبقت الحقبة الاستعمارية.
وقال الرئيس أديانغ: «نحن لا نتخذ هذا الخيار لمحو ماضينا، بل لأننا نكرّمه».
وأضاف أن الاسم يحمل «ذاكرة أسلافنا ولغتنا وهويتنا»، مؤكدًا أنه لم يختف أصلًا من حياة السكان، حتى وإن استخدم العالم اسمًا آخر.
هل هي أول دولة تفعل ذلك؟
لا. فتغيير أسماء الدول، ولا سيما بعد الاستقلال أو في سياق التخلص من آثار الحقبة الاستعمارية، حدث مرارًا خلال القرن الماضي.
سوازيلاند أصبحت إسواتيني عام 2018، وروديسيا أصبحت زيمبابوي عام 1980، وداهومي أصبحت بنين، وفولتا العليا أصبحت بوركينا فاسو.
كما تحولت سيام إلى تايلاند، وبلاد فارس إلى إيران، وسيلان إلى سريلانكا، وساحل الذهب إلى غانا.
أما تركيا، فطلبت من الأمم المتحدة في 2022 استخدام اسم Türkiye في المراسلات الدولية بدل الصيغة الإنجليزية التقليدية Turkey.
لماذا تحمل أسماء الدول كل هذه الأهمية؟
لأن الاسم قد يكون جزءًا من الصراع على من يملك حق تعريف المكان وهويته.
ونقلت «نيويورك تايمز» عن أستاذ الجغرافيا والخبير في أسماء الأماكن ديريك ألدرمان قوله إن إنهاء الاستعمار في أسماء الأماكن يرتبط بحقيقة أن الدول قد تحصل على استقلالها السياسي والاقتصادي، بينما تبقى آثار الهيمنة الثقافية واللغوية للقوى الاستعمارية حاضرة.
ومن هذا المنظور، يمكن أن تصبح استعادة الاسم القديم محاولة لإصلاح جانب من ذلك الإرث والعودة إلى هوية سبقت الاستعمار.
قولوا اسمنا
لهذا السبب، حمل ظهور رئيس ناويرو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة معنى يتجاوز إعلان اسم جديد.
فبعد حديثه عن التحديات التي تواجه بلاده، من ارتفاع مستوى البحار إلى الاقتصاد والحصول على مكانة واحترام أكبر على الساحة الدولية، عاد أديانغ إلى الرسالة التي أراد إيصالها للعالم.
واختتم خطابه بكلمتين فقط:
“قولوا اسمنا”.
بالنسبة إلى واحدة من أصغر دول العالم، كانت الرسالة أكبر بكثير من تعديل اسم على الخريطة: نحن من نحدد ما نُسمّى به.




