وداعا صادق الصائغ.. شاعر الحداثة الذي كتب وجع المنفى

مايو 2, 2026
52

الصائغ رحل مساء الجمعة في لندن بعد معاناة مع المرض

نعت الأوساط الأدبية والثقافية الشاعر العراقي صادق الصائغ، الذي رحل مساء الجمعة في لندن بعد معاناة مع المرض، تاركاً وراءه إرثاً غنياً من الأعمال الأدبية والفنية.

واستذكر أصدقاؤه من الأدباء والصحفيين تجربته الإبداعية وصوته الشعري الذي شكّل حضوراً مميزاً في المشهد الثقافي العراقي، إلى جانب إسهاماته الفكرية والإنسانية، إذ عمل في مجالات التلفزيون والصحافة، كما كتب للسينما والمسرح. عُرف الصائغ بتفانيه في الفن التشكيلي، وكان له دور فعال في تطوير الخط العربي، مما جعله شخصية بارزة ومتعددة المواهب.

وكتب الشاعر العراقي حميد قاسم ناعياً: “كان صادق الصائغ أرقّ من نسمة، وأعذب من قطرة ماء في صيف عراقي قائظ؛ كان أكثر الشعراء العراقيين وسامةً ومغامرةً، وواحداً من أبرز أبناء الجيل الستيني في الشعر والصحافة والخط والتصميم”.

بدوره، نعاه رئيس مؤسسة المدى للإعلام واالثقافة الكاتب والصحفي فخري كريم قائلاً: “في مكانٍ ناءٍ، وفي عزلةٍ عن وطنه العاق وشعبه المبتلى، رحل عنا صادق الصائغ؛ الذي كان طوال حياته صنو الخلق والإبداع الجميل، شعراً وفناً والتصاقاً بحياة شعبه. هذا الفقد في هذه الأيام المثيرة للاكتئاب يطغى عليه الحزن لخرابةٍ تذكرنا بما آلت إليه خرابتنا التي بقينا مشدودين إلى أملٍ مخاتلٍ بأنها ستتعافى، ونسترجع بعضاً من رجاء وتوق لاستعادة وطنٍ يحتفي بمبدعيه الذين فرّقهم العسف، على كراهةٍ منهم، في مختلف أصقاع العالم، تلفهم الغربة ويعصف بهم الحنين إلى حيث يعبث بشعبهم اللصوص والعسس، يصادرون إرادتنا ويغتصبون حقنا في حياةٍ ضاق بنا الصبر لنجعل منه وطناً لا خرابة.. وداعاً صادق الصائغ لحين تجاوز الحزن، لعلي أستطيع أن أرثيك كما تستحق، مبدعاً وإنساناً وصديقاً لم نَفِ حقك وأنت حيّ، وأبخس حقك لصوص بيت المال حتى في أصغر حقٍ يليق بسيرتك ومسيرتك الخلاقة الجميلة”.

وكتبت الروائية ميسلون هادي في نعيها: “بلد الشعر لا يعرف شعراءه الكبار الآن، أولئك الذين عاشوا عندما كانت الخرابة في طريقها للوجود، ولكن التصاقهم بهموم الشعب جعل الأمل ساطعاً وموجوداً حتى في النفق، وإلا كيف يمكن لطالبة جامعية أن تعرفهم وتقرأ لهم في السبعينيات، وأن تجد فيهم النخبة التي شكلت وعيها وزادتها حباً بالأدب الرفيع؟ هؤلاء (وغيرهم كثير) هم رموز الثقافة العراقية الذين اشتبكوا مع السياسة بشكل يومي وعذاب مرير؛ فلم تكن الصفقات والمليارات موجودة، ولم يقتربوا من السلطة إلا في السجون.

“ومع أن الشاعر الراحل صادق الصائغ عمل في الإعلام العراقي، لكنه كان القلم المختلف الأنيق، لا القلم المنافق أو الصامت، فقد منع الرئيس أحمد حسن البكر في سبعينيات القرن الماضي برنامجه لأسباب غير معروفة، وقيل إن غياب النفس البعثي هو السبب، وقيل إن طابع البرنامج المشاكس هو السبب، وقيل إن تسريحة شعر صادق الصائغ هي السبب.. حتى جاءت الثمانينيات، فتطشر اليساريون في المنافي، وذهبوا إلى ملوك لا يظلمون أحداً”.

أما الكاتب العراقي علي حسين، فقد نعاه بقوله: “صادق الصائغ، الشاعر والصحفي والفنان المتعدد المواهب، يموت غريباً عن بغداد التي كان يذوب فيها عشقاً”، واستشهد بكلماته من معلقته الشهيرة “هنا بغداد”:

هذه المَدِيْنةُ عَجيبةٌ
ضُرِبَتْ بالقنابل
سُحِقَتْ تَحتَ الأقْدام
كما تُسْحَقُ سَاعةٌ مُعَطَّلةْ
لكنَّها
وكَما لَو وُلِدَتْ للتَّو
سُمِعَتْ تَحتَ الأنْقاض تَتِكُّ
وَتَتَحَسسُّ قَلْبهَا
واوصَالَها المَفْقودة

مدينَة
في حالة حلم وهذيان
يَحْفظُ أشْعَارَها التَاريْخُ عن ظَهر قَلب
بُيوتُهَا مُهَدَّمَة
وَشَوارعُهَا مَهْجورَة
لكنَّ أعْلامهَا المُلوَّنَة
المُسْتَسْلمَة لِنَسَائم نيسَان
المُثَبَتَة فَوقَ السُطُوح
تَخْفقُ تَحْتَ الشَمس
بثياب القديسين والملائكة

مَديْنَةٌ عَجيْبَة
تقَع في الجَانب المُشْرقِ من الشَمس
جسْمُهَا مُلتَهب
وَحَرَارتُهَا عَاليَة
مُصَابَةٌ بأحلامِ الزمن القَادم
في أعْماقِهَا غَضَب وَجُوع وَبكاءٌ وَصَريْرٌ أسْنان
يبحث عنها التاريخ
ويَؤمُهَا الأنْبيَاءُ والشُعَرَاءُ وَالعُشَّاق واللصُوصُ
البَرَابرَة وَالغُزَاة وَتُجّارُ الحُرُوب
في كُلَّ مَرَّةٍ يُظَنُّ أنَّهَا انتَهَت
تُطْلقُ من أعْمَاقهَا صَرْخَةً طَويْلَة
تَسْري في الأثير مثل مَوْجٍ مًتَكَسِّر
” أكون أو لا أكون ”
أموتُ أو لا أموت
تلْك هي المَسْألَة

يَوم أمس
تلاميذُ مَدرَسَة المَنصُورالإبْتِدائِيَّة
شَيَاطيْنُ كُرَة القَدَم المَلاعيْن
على مَبْعَدَة أمْتَارمنْ دُكانِ الحَلاق جَاسِم تاـسود
نَجوا مِنْ قَصْفٍ كَالجَحيْم
هَلَلوا في الزُقاق المُجَاور
لِضَربَةِ جَزَاء
شقّتْ الهَوَاءَ البَارِدَ
عبَرَتْ السُطوُحَ
إجْتَازتْ أعْمِدَةَ التِلفِزيون وَحِبَالَ الغَسيْل
وَأنْزَلَتْ كَارثـَةً جَدِيْدَة
في نَـَافِذَةِ الجِـِيْرَان

وفي البَيتِ المُجاورِ
غنّى راديو قَديم أسْنَأنُهُ منخورةٍ
أغْنيَة ” تعْطَشْ وَشَرْبك مَاي
بثْنين ايديَّة ”
لمُطْرب الريْف الأول حضيري أبو عَزيْز
أعْقَبهُ مُذيْعٌ شاب
قَرَأ اخْبارالسَاعَة الخَامِسَة
حَسَبَ تَوقيْت غرينِتْش
بدون أخْطَاء نَحْويَّة هَذهِ المَرَّة
معْتَذرَاً
عن تَغْييرٍ بَسيْطٍ
في مَوعدِ نشرة الأخْبار

وفي مَقْهى أبو بْرَاهِيْم
او مَقْهى المُعَقَديْن بالأحرى
الغَاص ،كَعَادَتِهِ
بِصُنُوفٍ مِنْ عَاطِليْن شَبَاب ، شُعَرَاء وعُشَّاقِ كُتُب وَجُنُودِ
اشْتَبكتْ حَنَاجِر مُلْتَهبة
ألهَبَها حَرُّ الصَيف القائِظ
في نٍقاشٍ حَار
عن التفكيك والبنيَويَّة والحَداثَة
عن إبْرَاهيْم الجَعْفَري
عن فوكاياما
وهنتنغتون
و”نِهايَة التَاريخ”
وَأيْضاً
حَوْلَ قَصِيْدَةِ نَثْر دَادَائيَّة
صَاحِبُهَا المُسْتَعِد لِكُلَّ عِرَاك
بَعْدَ أنْ طَرَح من يَدِه الدوُشَش
ثمَّ أسْهَبَ في شَرحِ مَا في مَتْنهَا من حُمُوُلات
وبزَعَمَ أنَّ جنسها وَحيْدٌ في نَوْعهِ
وَفَرَادَتَهَا غَيرُ مَسْبوقة
كَادَ أن يَشْتَبكَ بالأيادي
مَعَ منافس غريْم
ادعى أنَّهَا هُرَاءٌ مَحض
وَأنَّهَا مُسْتَوْرَدَة
ومن مُخَلَّفات ” إنفلوَنْزا الطُيُور”
ولَيْسَ بَعيْدَاً عن جِسْرِ بابِ المُعَظَّم
قَريْبَاً من وزارَة الدِفاع
سيّاراتٌ مارقةٌ خَطفَت
بِآُمِ عَيْني رأيتها تَطيرُ
عَبْرَ الطَريقَ الاسْفلتي
وبِداخِلها عروسٌ بَتُول
ستَفْقِدُ بَكارتَها هذه الليلةْ
على صِياح الجُمهُورالكَريم
على ضَرب الدرابك والابْواق النحَاسِيَّة
وبِقِيَادَة موسِيْقَارالاجيال
عَباس ابو الهُوب

وَفي السَاعَة الثَاليَة مَسَاءً
وبالضَبط بَعْدَ انتهَاء الغَارَة الجَوِّيَة الأخيرَة
أمَامَ أطْفالٍ تَجَمْهرُوا حولَهُ
وَتَقَافَزوا مُتَصايحين على الأسرَّة
عُصْفورٌ هنْدي ٌمُمَشَطُ الذَيْل
بغُرورً تَسَلَّق غُصْنَهُ الصنَاعي
وَغَنّى لجُمهورهِ أغنيَة عَرَبية
مُخْتَالاُ بذَيْلِه الأخْضّر الطَويل

مَدينَةٌ شَرْقيَّة
مَدينَةٌ مَجنُونَة
آهِلَّتها دَائمَاً ثَمِلَة
منائرها دَائمَاً سكرانة
وكَمَا أسْلَفْتُ
مَديَنَةٌعَجيبة
يَبْحَثُ عَنْها القَنّاصُون والعشّاق والقَتَلَة
الغَربُ وَالشَرْق
الشَمَالُ والجَنوب
تَتَعَرَّضُ يَوميَّاً للقَصْف
دونَ أن أن تَفْقدَ التَوازُن
وَبرغْمِ تَحْذيْر النسَاء للرجأل هَمْسَاً أثْنَاء الليْل
مَخَافَةَ استيْقَاظ الأطفال
فَإنّ هؤلاء ، بلا طَائل ،
يُشَددون الإمْسَاكَ باللجَام
ودونَ تَوَقُفٍ
يُواصلون التَنَاسُل

مَدينَةٌ من أجْمَل مُدُن العَالَم
وَمَعَ أنَّهَا ، للتَّو ، ضُربَت بالقنابل
وسُحِقَتْ تَحتَ الأقْدام
كما تُسْحَقُ سَاعةٌ مُعَطَّلةْ
لكنَّها
وكَما لَو لتَّوهَا وُلِدَتْ
سُمِعَتْ تَتَحَرَّك تَحتَ الأنْقاض
وَسُمِعَ صَوت بُلْبُل ألأذَاعة
بِكلِّ ما تَبَقّى لَهَ من قُوَّة
بِكُلِّ مَا تَبَقّى من أنْفَاسْ
من تَحتَ الأنْقاض يتِكُّ
مُرْسلاً للعَالَم وللأجْيْال القادمَة
شَفْرَاتٍ وَإشَارَات وَرُموز
وَعَلى أجْنِحَةِ ضَوءٍ مُتَكَسّرٍ
هُنا بَغداد….
هُنا بَغداد
هُنا بَغداد

نماذج من شعره

في قصيدته المطولة المؤثرة “الأوغاد”، يتحدث عن أصدقائه الشعراء الذين رحلوا قبله:

خدعوني فرداً فرداً

رحلوا رحلوا

دوني تركوني.

ومن قصيدة “بكل أخطائك”:

ويوماً ما بفاعلية الحواس

وشرارة مصادفة

ستسمع صوت تقطع الأوتار

وانزلاق الشبح الأسود على الأرض

وبهمس يشبه صوت الدفوف

ستمشي راقصاً أمام الجميع

مشتعلاً كسائل دخاني أبيض”.

وفي قصيدة “نوم أبيض”، يخاطب وجه الموت الذي يبدو له بعيداً:

وبعد أن استيقظت

عرفت أني تلمست وجهك

أيها الموت

الذي يبدو الآن بعيداً

وغير قابل للاسترجاع.

وتبرز رؤيته في قصيدته “الآشوري.. وحيداً في سفينة نوح”، التي يستذكر فيها الشاعر الراحل سركون بولص:

الآشوري وحيداً في سفينة نوح

إلى أعلى يصعد

إلى كل ما هو أبعد وأبعد

يصعد إلى السماء

يصعد ليصعد أرضاً أخرى”.

أما مواجهته المباشرة مع الموت، فتتمثل في قصيدته الموجهة إلى عزرائيل:

كل الناس سيموتون يا عزرائيل

وأنا أيضاً سأموت

ورغم أني.. أني بين الجميع

سأكون الأكثر موتاً

فسأنهض من موتي

لأقارعك سناً بسن وعيناً بعين”.

ولعل هذه القصيدة تمثل خلاصة موقف الشاعر من الكون والحياة والموت والقدر الإنساني في لحظة تمرد، وهي فنياً تذكرنا بقصيدته عن “بروتس” (بروتس بطل مسرحية يوليوس قيصر لشكسبير. شارك في مؤآمرة طعن
القيصر وكان هذا الأخير يعتبره ابنا ً له. فقال قيصر جملته الشهيرة” حتى أنت يا بوروتس”
التي أطلقها القيصر أضحت شائعه).

بروتِسْ
أنا أعرفك
وأعـْرِفُ وَجــْهـَكْ
بــَيـْنَ كـُلِّ الوُجـُوهِ أُمَـيــّزُهُ
بين كـُلِّ المـَلامِـح والشـَفـَراتْ
أنت جِــيـْنـُوسْ بوروتس
باحـْـِتفَاءٍ مُـقـَدَّسْ
سـَتــَنـْزِلُ مِـنْ سـَفـْحِكَ المُـنْـفــَرِدْ
حَانيَا ًكـَمَلاكْ
ضاحكاً كـَمَلاكْ
ثـُـمَّ تَـطـْعـَنَـني كــَمَلاكْ
وَبـِصِدْقِ المُدَافـِعِ عـَنْ نــَفـْسهِ
سَتـَقولْ :
سَيّدي
مَنْ أكوُنُ أنا سَيّدي، مَنْ أكوُن ْإزاءَكْ؟
أنَـا لا أحَـدْ
أنـَا لـَعـْنـَة ٌ مـُظـْـلِـمَهْ
وَعَـقـْرَبَة ٌ
وَلـِمِثـْـلِي تـَكـُوْنُ الخـِيَانـَهْ
شفاءً
وَنـَصـْـرَاً
وَدِفــَاعـاً وَحــِيــْد
*****************

المصدر: أوج 24

حول هذه القصة

5 قصائد للشاعرة البولندية إيزابيلا زوبكو

وفاة الكاتبة العراقية لطفية الدليمي

اترك تعليقاً