بين لغة التهديد من منبر الأمم المتحدة وحركة الوسطاء في الغرف المغلقة، تسير واشنطن وطهران في مسارين متوازيين: تصعيد يرفع سقف الضغوط، ومفاوضات تبحث عن مخرج من حرب تقترب من شهرها السابع. فما الذي دار في محادثات نيويورك، وماذا تريد إيران مقابل وقف الحرب وإعادة فتح مضيق هرمز؟
تقارير وسائل الإعلام الغربية ترسم صورة متناقضة للمشهد الإيراني في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة: تصعيد غير مسبوق في خطاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بالتوازي مع عودة قنوات التفاوض بين واشنطن وطهران بعد أشهر من الجمود.
ما الذي حدث في نيويورك؟
- محادثات أميركية إيرانية في نيويورك: أجرى مبعوثون من الولايات المتحدة وإيران، الثلاثاء، محادثات على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وصفها المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف بأنها «بنّاءة وواعدة». وقالت إيران إن المحادثات جرت عبر وسيط، فيما ذكر الرئيس دونالد ترامب أنها سارت بصورة جيدة، من دون الكشف عن تفاصيل إضافية.
- ترامب يلوّح بخيارين: قال ترامب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة إن أمامه «قرارًا كبيرًا» بشأن الحرب المستمرة منذ نحو سبعة أشهر: إما السعي إلى اتفاق ينهيها، أو ما وصفه بـ” إبادة» إيران” ودفعها إلى «الجحيم من دون فرصة للنجاة».
- طهران تتمسك بمواقفها: قال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، الموجود في نيويورك للمشاركة في اجتماعات الأمم المتحدة، إن بلاده ستدافع «بحزم» عن مواقفها في الحرب، وستستغل اجتماعات الجمعية العامة لإيصال ما وصفه بـ”معاناة إيران” إلى المجتمع الدولي.
- ومن المقرر أن يلقي بزشكيان كلمته أمام الجمعية العامة الأربعاء، وفقًا لوسائل إعلام رسمية إيرانية.
الخلاصة: بحسب شبكة سي بي اس نيوز، تتزامن عودة الاتصالات الأميركية الإيرانية، وهي الأولى من نوعها منذ يونيو/حزيران، مع تصعيد شديد في خطاب ترامب تجاه طهران. وفي المقابل، تشير تصريحات الطرفين إلى أن قناة التفاوض لا تزال مفتوحة، وإن لم تُعلن حتى الآن تفاصيل تشير إلى اتفاق أو اختراق دبلوماسي.
بمعنى آخر، واشنطن تستخدم مسارين في الوقت نفسه: رفع سقف الضغط العسكري في العلن، والإبقاء على قناة دبلوماسية مفتوحة في الكواليس. وتظهر التغطية المنشورة أن ترامب نفسه لمح إلى وجود زخم نحو تسوية، رغم استمرار الحرب منذ نحو سبعة أشهر وارتفاع أسعار الطاقة المرتبط بها.
ماذا تريد إيران؟
بحسب شبكة سي إن إن، كرر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي خلال الاتصالات مطالب طهران العامة، ومن بينها الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة، ورفع الحصار البحري الأميركي، ووقف الحرب على ما وصفها بجميع جبهات المقاومة. ولم يتضح من المحادثات ما إذا كان المقصود بذلك يشمل اليمن وشروطاً تخص الحوثيين.
أما تحليل نشره موقع «أطلسيار» الإسباني المتخصص في الشؤون الدولية، فيقدم قائمة أوسع من سبعة مطالب منسوبة إلى إيران:
- وقف الأعمال القتالية على جميع الجبهات، بما فيها لبنان واليمن.
- رفع الحصار البحري عن الموانئ الإيرانية الجنوبية.
- الإفراج عن الأموال والأصول الإيرانية المجمدة.
- وقف الضربات والعمليات العسكرية داخل الأراضي الإيرانية.
- وقف ما تصفه طهران بالتدخل الأميركي في شؤونها الداخلية.
- وقف الدعم الأميركي للمعارضين الإيرانيين.
- إعادة فتح مضيق هرمز بعد تنفيذ المطالب السابقة.
لكن لا توجد وثيقة إيرانية رسمية منشورة تجمع هذه البنود السبعة. وأكد أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، اللواء محسن رضائي علناً ثلاثة مطالب رئيسية هي وقف الأعمال القتالية، والإفراج عن الأصول المجمدة، ورفع الحصار البحري، بينما جُمعت القائمة الموسعة من تصريحات وتقارير دبلوماسية أخرى.

هرمز.. العقدة التي تتجاوز واشنطن وطهران
يبدو مضيق هرمز في قلب المساومة. واشنطن تريد إعادة فتحه وتأمين حركة السفن، بينما تربط الرواية الإيرانية فتحه بتخفيف الضغوط الأميركية.
وهنا يتحول الملف من مواجهة عسكرية ثنائية إلى أزمة اقتصادية دولية؛ فاضطراب الملاحة والطاقة رفع تكلفة الحرب خارج حدود إيران والخليج، وهو ما يمنح مسألة هرمز ثقلاً تفاوضياً كبيراً.
لكن الخلاف يبدأ عند تحديد ترتيب الخطوات: هل تفتح إيران المضيق أولاً مقابل بدء تخفيف الإجراءات الأميركية، أم تحصل طهران على تنازلات قبل إعادة فتحه؟ تحليل موقع «أطلسيار» الإسباني يتبنى بوضوح الموقف الأول ويعتبر إعادة فتح المضيق شرطاً مسبقاً. وهذه وجهة نظر تحليلية للموقع وليست موقفاً محايداً أو حقيقة متفقاً عليها.
الملفات الغائبة عن المطالب
يلفت تحليل موقع “أطلسيار” الإسباني إلى مسألة مهمة، وإن كان يقدمها من منظور نقدي لطهران: القائمة المتداولة لا تتضمن، بحسبه، التزامات إيرانية واضحة بشأن تخصيب اليورانيوم، وعمليات التفتيش الدولية، وبرنامج الصواريخ الباليستية، أو سلاح الجماعات المتحالفة مع إيران في المنطقة.
وهذه فجوة مهمة لفهم صعوبة الوصول إلى اتفاق شامل. فحتى إذا أمكن الاتفاق على وقف إطلاق النار وهرمز والأصول المجمدة، تبقى الملفات النووية والصاروخية والإقليمية بحاجة إلى مسار تفاوضي آخر أو إلى إدخالها في تسوية أوسع.
خطاب ترامب: التهديد جزء من التفاوض؟
«نيويورك تايمز» تطرح احتمال أن تكون اللغة القصوى التي استخدمها ترامب تكتيكاً تفاوضياً، مستندة إلى حقيقة أن مسؤولين أميركيين دخلوا في اتصالات مع الإيرانيين بعد الخطاب مباشرة، من دون أن يتضح ما إذا كان اللقاء حقق تقدماً.
لكن الصحيفة تشير أيضاً إلى أن لغة ترامب تجاوزت مجرد التحذير من عمل عسكري، إذ تحدث عن «إبادة الجمهورية الإسلامية» وحرمانها من «فرصة البقاء»، في الوقت الذي كان يتحدث فيه من منصة مؤسسة أنشئت أساساً لمنع الحروب.
أما الغارديان فتقدم قراءة أكثر انتقاداً، وترى أن اللغة كانت استثنائية حتى بمقاييس خطابات ترامب السابقة.
طهران ترد بالتهديد أيضاً
الخطاب التصعيدي لم يكن أميركياً فقط. القيادة العسكرية الإيرانية ردت بأن تصريحات ترامب موجهة، من وجهة نظرها، إلى الداخل الأميركي، وقالت إن القوات الإيرانية مستعدة لتوجيه ضربات «أشد» إلى الولايات المتحدة وإسرائيل.
وبذلك يبدو المشهد مزدوجاً من الطرفين: تهديدات علنية لرفع كلفة عدم الاتفاق، واتصالات خلفية لاختبار إمكانية التسوية.
أين تقف دول المنطقة؟
وجود مسؤولين من العراق والسعودية وقطر والإمارات والكويت وعُمان والبحرين والأردن وتركيا في لقاء ترامب الذي تحدث خلاله عن المسار الإيراني يعكس أن دول المنطقة ليست مجرد مراقب لهذه المفاوضات.
فالنتيجة تمس أمن الخليج، والملاحة في هرمز، وأسعار النفط، واليمن، والجماعات المسلحة في المنطقة. كما أن قطر تظهر مجدداً في بعض الروايات باعتبارها إحدى قنوات الوساطة بين الطرفين.
ماذا نستنتج ؟
الصورة التي ترسمها هذه التقارير ليست أن السلام بات قريباً، ولا أن التصعيد أصبح حتمياً. المؤكد حتى الآن هو عودة الاتصال الدبلوماسي الأميركي-الإيراني بالتزامن مع مستوى مرتفع جداً من التهديد المتبادل.
المفاوضات تواجه ثلاث عقد مترابطة: وقف الحرب، إعادة فتح هرمز وتخفيف الإجراءات الاقتصادية والبحرية، ثم الملفات الأعمق المتعلقة بالبرنامج النووي والصواريخ ونفوذ إيران الإقليمي.
ولهذا فإن أهم تطور في نيويورك ربما لا يكون خطاب ترامب نفسه، بل ما حدث بعده: الرئيس الأميركي هدد إيران من منبر الأمم المتحدة، وفي اليوم نفسه كانت قنواته الدبلوماسية تتحدث مع الإيرانيين عن مخرج من الحرب. وهذا التناقض الظاهري قد يكون مفتاح فهم المرحلة الحالية: الضغط العسكري لم يلغِ التفاوض، والتفاوض حتى الآن لم يوقف التهديد العسكري.







