اتفاقية عمرها 90 عامًا.. ما الذي يمنع الناتو من دخول البحر الأسود بحرية؟
الناتو لا يستطيع رسم استراتيجية فاعلة في البحر الأسود من دون التعاون مع تركيا ( وكالة شنخوا الصينية)
بعد أكثر من أربع سنوات على اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، تحوّل البحر الأسود إلى إحدى أخطر الجبهات الأمنية في أوروبا، لكنه لا يزال شبه خالٍ من السفن الحربية التابعة لحلف شمال الأطلسي ( الناتو). ويكشف موقع “دويتشه فيله” الألماني أن السر يكمن في اتفاقية مونترو الموقعة قبل 90 عامًا، والتي منحت تركيا سلطة تنظيم مرور السفن عبر مضيقي البوسفور والدردنيل، وحوّلت أنقرة إلى حارس البوابة البحرية بين المتوسط والبحر الأسود.
يطل على البحر الأسود ست بلدان هي تركيا وبلغاريا ورومانيا وأوكرانيا وروسيا وجورجيا، لكن الوصول إليه بحرًا لا يتم إلا عبر مضيقي الدردنيل والبوسفور الخاضعين للسيادة التركية. ويبلغ عرض البوسفور في أضيق نقطة نحو 700 متر فقط، ما يمنح تركيا نفوذًا اقتصاديًا وعسكريًا كبيرًا على حركة التجارة وانتقال القوات البحرية.
وُقعت اتفاقية مونترو في 20 يوليو/تموز 1936، وأعادت إلى تركيا سيادتها على المضيقين بعد سنوات من الرقابة الدولية. وتضمن الاتفاقية حرية مرور السفن التجارية في زمن السلم، لكنها تفرض قيودًا صارمة على السفن الحربية التابعة لدول من خارج البحر الأسود، تشمل عدد السفن وحمولتها ومدة بقائها، التي لا يجوز أن تتجاوز 21 يومًا.
وتصبح القيود أكثر تشددًا أثناء الحروب؛ فإذا لم تكن تركيا طرفًا في النزاع، يُمنع مرور السفن الحربية التابعة للدول المتحاربة. وعقب الحرب الروسية على أوكرانيا عام 2022، فعّلت أنقرة المادة 19 من الاتفاقية، فمنعت روسيا وأوكرانيا من تعزيز أسطوليهما عبر المضيقين، باستثناء السفن العائدة إلى قواعدها المسجلة في البحر الأسود.

عامل حاسم
ويرى الباحث توماس دي وال أن تطبيق الاتفاقية كان حاسمًا في مساعدة أوكرانيا على الصمود، بعدما حال دون دخول نحو 30 سفينة روسية إضافية إلى البحر الأسود. كما أتاح لكييف تعويض ضعفها البحري باستخدام المسيّرات وتقنيات القتال الحديثة التي لم تتناولها الاتفاقية المبرمة عام 1936.
في المقابل، قيدت مونترو قدرة حلفاء أوكرانيا على تقديم دعم بحري مباشر. ففي عام 2024، منحت بريطانيا كييف كاسحتي ألغام، لكن تركيا رفضت عبورهما باعتبارهما سفينتين حربيتين، فظلتا راسيتين في ميناء بورتسموث. ويعكس ذلك سياسة تركية مفادها أن إدارة توازن القوى في البحر الأسود يجب أن تبقى أساسًا بيد دول المنطقة.
وبالنسبة إلى حلف الناتو، تمثل الاتفاقية عائقًا أمام إقامة وجود بحري دائم شبيه بوجوده في البحر المتوسط أو بحر الشمال. لذلك اتجه الحلف إلى تعزيز قدرات رومانيا وبلغاريا، العضوين فيه منذ عام 2004، ودعم مشروعات دفاعية مثل توسيع قاعدة ميخائيل كوغالنيشينو الجوية قرب مدينة كونستانتسا الرومانية، بكلفة مقدرة بنحو 2.5 مليار يورو، لتصبح أكبر قاعدة للناتو في أوروبا.
كما أعلنت تركيا ورومانيا وبلغاريا، خلال قمة الناتو في أنقرة، إنشاء مجموعة عمل ثلاثية لإزالة الألغام وحماية البنية التحتية تحت الماء. لكن خبراء يشككون في قدرة رومانيا وبلغاريا وحدهما على موازنة القوة الروسية، إذ لا تزال إمكاناتهما العسكرية البحرية محدودة نسبيًا.
ورغم أن اتفاقية مونترو تبدو قديمة في بعض بنودها، فإن الدول المعنية لا ترغب في فتح باب تعديلها، خشية إعادة التفاوض على جميع القواعد مع روسيا وإثارة نزاعات جديدة. كما تنظر تركيا إليها باعتبارها إحدى الوثائق المؤسسة للجمهورية الحديثة، وركيزة لسيادتها وأمنها ومكانتها الإقليمية.
وتخلص «دويتشه فيله» إلى أن الناتو لا يستطيع رسم استراتيجية فاعلة في البحر الأسود من دون التعاون مع تركيا، التي تبقى القوة الأبرز وحارسة الممر الوحيد إليه. وما دامت اتفاقية مونترو قائمة، ستظل أنقرة صاحبة الكلمة الأثقل في تحديد من يدخل البحر الأسود، وبأي قوة، ولأي مدة.
حول هذه القصة
قوات الناتو أثناء مناورة تدريبية سابقة ( صفحة الناتو على إكس)
ذي إيكونومست ترى أن الحرب في أوكرانيا أعادت إحياء أهمية الناتو بالنسبة لأنقرة