دخل التصعيد في اليمن مرحلة أكثر حدة، مع محاولة القوات التابعة للحكومة المعترف بها دولياً استعادة زمام المبادرة على الساحل الغربي، بالتزامن مع استمرار الحوثيين في شن هجمات باتجاه السعودية، بعد المكاسب الميدانية التي حققتها الجماعة أخيراً قرب مضيق باب المندب.
وبينما تعلن الحكومة اليمنية استعدادها لإرسال مزيد من القوات إلى ساحل البحر الأحمر، تتزايد المخاوف من اتساع القتال مجدداً وتحوله إلى مواجهة طويلة، خصوصاً مع ارتفاع أعداد النازحين وارتباط التطورات في باب المندب بأمن الملاحة والطاقة في ظل الاضطرابات التي يشهدها مضيق هرمز.

هجمات حكومية على مواقع الحوثيين
وفي أحدث التطورات، ذكرت وكالة أسوشيتد برس أن القتال اشتد منذ أمس الأحد، بعدما شنت القوات الحكومية اليمنية هجمات على مواقع للحوثيين على امتداد البحر الأحمر، فيما واصل الحوثيون إطلاق مقذوفات باتجاه السعودية، التي تدعم الحكومة اليمنية.
وتأتي المواجهات بعد انتكاسة كبيرة للقوات الحكومية، عندما سيطر الحوثيون على على مدينة المخا وجزيرة ميون، المعروفة أيضاً باسم بريم، ثم جزيرتي حنيش الكبرى والصغرى.
وأقرت الحكومة اليمنية بصعوبة ما حدث، فيما تعهدت بإرسال تعزيزات إضافية إلى جبهة الساحل الغربي في محاولة لوقف تقدم الحوثيين واستعادة المواقع التي خسرتها.
ووصف سلطان العرادة، عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني، انهيار القوات الحكومية في المخا وأجزاء من الساحل الغربي بأنه «مؤلم ومؤسف»، لكنه أكد أن القوات الحكومية تعيد تجميع نفسها وستعود إلى القتال.
أما رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي فقلل من أهمية الانتكاسات، واعتبرها عارضة، مؤكداً استمرار هدف الحكومة في استعادة مؤسسات الدولة والسيادة على الأراضي اليمنية.
ويعد التقدم الأخير من أكبر المكاسب الإقليمية التي حققها الحوثيون منذ سنوات، إذ منحهم مواقع أكثر أهمية بالقرب من باب المندب، أحد أبرز الممرات البحرية التي تربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي.
وتزداد حساسية هذا التطور في ظل الحرب الأميركية-الإيرانية والاضطراب في مضيق هرمز، الذي دفع السعودية إلى الاعتماد بصورة أكبر على البحر الأحمر ومسارات بديلة لنقل النفط. وفي الوقت نفسه، تجد الرياض نفسها أمام معادلة صعبة: الرد بقوة قد يعيد فتح حرب يمنية واسعة يصعب التحكم بمسارها، لكن استمرار التقدم الحوثي والهجمات على الأراضي والمنشآت السعودية قد يجعل ضبط النفس أكثر كلفة.

من المخا وميون إلى حنيش
بحسب تقرير لوكالة أسوشيتد برس، سيطر الحوثيون على جزيرتي حنيش الكبرى والصغرى في جنوب البحر الأحمر، في أحدث حلقة من تقدم سريع حول باب المندب.
وتقع جزر حنيش على مسافة نحو 160 كيلومتراً شمال المضيق. ونقلت الوكالة عن مسؤولين حكوميين وآخر حوثي أن مئات العناصر التابعة للقوات المتحالفة مع الحكومة المعترف بها دوليا انسحبوا من الأرخبيل قبل انتشار الحوثيين فيه.
وجاء ذلك بعد سيطرة الجماعة على مدينة وميناء المخا في الساحل الغربي وعلى جزيرة ميون الواقعة داخل باب المندب.
الأهمية هنا جغرافية واستراتيجية في آن واحد. فباب المندب يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، ومنه تمر السفن المتجهة بين آسيا والبحر المتوسط عبر قناة السويس.
ومع تعطل حركة النفط عبر هرمز بسبب الحرب مع إيران، أصبح طريق البحر الأحمر أكثر أهمية للسعودية، ما يجعل أي توسع عسكري قرب باب المندب يتجاوز حدود الحرب اليمنية إلى أمن الطاقة والملاحة الإقليميين.
كما أن تقدم الحوثيين إلى ميون يجعل وجودهم على بعد نحو 32 كيلومتراً من القاعدة العسكرية الأميركية في جيبوتي على الضفة الأخرى للمضيق.
لماذا أصبح البحر الأحمر أكثر أهمية للسعودية؟
تقول شبكة “سي إن إن” في تقرير لها نشر اليوم إن الرياض كثفت استخدام خط أنابيب الشرق-الغرب منذ أن أدت الحرب الإيرانية إلى إغلاق مضيق هرمز فعلياً، إذ يسمح الخط بنقل النفط من حقول شرق المملكة إلى ساحل البحر الأحمر.
ووفق التقرير، أُعيد توجيه نحو 5 ملايين برميل يومياً كان من الممكن أن تتجه إلى ناقلات في الخليج عبر هذا المسار البديل.
لكن خط الشرق-الغرب تعرض بدوره لهجوم بمسيّرات انطلقت، بحسب سي إن إن، من العراق، ولم تعلن أي جهة مسؤوليتها عنه. واتهم الرئيس الأميركي دونالد ترامب طهران بالوقوف وراء الهجوم، فيما قالت السعودية إنها لن ترد في تلك المرحلة وستدعم جهود الحكومة العراقية، مع احتفاظها بحق اتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية سيادتها.
وهكذا تواجه السعودية ضغطاً على مسارين حيويين في الوقت نفسه: هرمز شرقاً وباب المندب والبحر الأحمر غرباً.
الهجمات الحوثية على السعودية مستمرة
بالتوازي مع التقدم الميداني، تواصل الجماعة هجماتها عبر الحدود.
وقالت السلطات السعودية إن صفارات الإنذار دوت في أبها وخميس مشيط، بينما أعلن المتحدث العسكري باسم الحوثيين يحيى سريع أن الجماعة أطلقت عشرات الصواريخ والمسيّرات باتجاه قاعدة الملك خالد الجوية في خميس مشيط، مستهدفة حظائر للطائرات ومنشآت رادار ومستودعات ذخيرة.
ولم يصدر، وفق أسوشيتد برس، تعليق سعودي فوري يؤكد تفاصيل الهجوم الذي أعلنه الحوثيون.
في المقابل، قال الدفاع المدني السعودي إن مقذوفاً سقط في منطقة أخرى قرب الحدود اليمنية على البحر الأحمر، ما أدى إلى إصابة شخصين وإلحاق أضرار بمسجد وعدد من المباني، وحمّلت السلطات الحوثيين المسؤولية.
لماذا لا ترد السعودية بكل قوتها؟
هنا تنتقل القضية من التطورات الميدانية إلى المعضلة السياسية التي يناقشها تحليل سي إن إن .
فالسعودية تمتلك جيشاً حديثاً وقدرات جوية وتقنية تتفوق كثيراً على إمكانات الحوثيين التقليدية، لكن سنوات الحرب السابقة أظهرت أن التفوق العسكري لا يعني بالضرورة القدرة على إنهاء الجماعة أو إخراجها من مناطق سيطرتها. وتشير “سي إن إن” إلى أن الحوثيين طوروا قدراتهم وأساليبهم القتالية خلال سنوات الحرب.
وترى الباحثة في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، الدكتورة سينزيا بيانكو، التي استشهد بها التقرير، أن خيارات الرياض محدودة: فالتصعيد الواسع قد يعيد السعودية إلى حرب مفتوحة غير محددة النهاية شبيهة بالصراع اليمني الطويل.
والخطر الأكبر أن الحرب هذه المرة لن تجري بالضرورة داخل الحدود اليمنية فقط.
ففي ظل الحرب الأميركية-الإيرانية، يمكن أن يؤدي دخول السعودية في مواجهة شاملة مع الحوثيين إلى ربط الجبهة اليمنية مباشرة بالصراع الأوسع مع إيران.
الحوثيون وإيران.. تحالف لا يلغي المصالح الخاصة
يصف التقرير الحوثيين بأنهم جماعة مدعومة من إيران، ويشير إلى أن طهران زودتهم بالأسلحة والتدريب وتمارس قدراً من التأثير في قراراتهم. لكن سي إن إن تشدد أيضاً على أن للحوثيين أجندتهم ومصالحهم الخاصة، ولا يمكن تفسير كل تحركاتهم بوصفها مجرد تنفيذ مباشر لأوامر إيرانية.
ويقول الحوثيون إن هدفهم هو إنهاء ما يصفونه بالحصار السعودي للمناطق التي يسيطرون عليها في شمال اليمن.
وقال نصر الدين عامر، المسؤول في وكالة الأنباء اليمنية (سبأ) الخاضعة للحوثيين، إن الجماعة ستواصل الضغط على السعودية حتى «كسر الحصار» المفروض عليها، وفق تعبيره.

واشنطن لا تريد حرباً جديدة
عامل آخر يعقّد حسابات الرياض هو الموقف الأميركي.
بحسب سي إن إن، لا تبدو إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب راغبة في الدخول مباشرة في حرب جديدة ضد الحوثيين، في ظل أزمة هرمز والحرب مع إيران والاعتبارات السياسية الداخلية الأميركية.
وقال ترامب إن الحوثيين أبلغوا إدارته أنهم لا يريدون تدخلاً أميركياً مباشراً، وإنهم يسمحون بمرور معظم السفن.
والأكثر أهمية أن مصدراً قال لـ سي إن إن إن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان تحدث مرتين مع ترامب وحثه على ضرب الحوثيين مع تقدمهم نحو البحر الأحمر، لكن الرئيس الأميركي رفض.
ومع ذلك، لم تقف واشنطن بعيداً تماماً. فقد أرسلت، بحسب مصادر سي إن إن، نحو 100 مستشار عسكري إلى السعودية للمساعدة في توفير المعلومات الاستخباراتية. وقال نواف عبيد، الباحث في كلية كينغز كوليدج لندن والمستشار السابق للحكومة السعودية، إن الطلب السعودي كان للحصول على دعم استخباراتي وليس لتنفيذ غارات أميركية.
خيارات الرياض.. كلها مكلفة
في المحصلة، ترسم التقارير ثلاثة مسارات صعبة أمام السعودية.
التصعيد العسكري الواسع قد يوقف التقدم الحوثي أو يضغط على الجماعة، لكنه يحمل خطر العودة إلى حرب طويلة وجرّ المملكة بصورة أعمق إلى الصراع الأميركي-الإيراني.
مواصلة ضبط النفس تقلل خطر الحرب الإقليمية، لكنها قد تمنح الحوثيين مزيداً من الوقت لتثبيت مكاسبهم على الساحل وفي الجزر الاستراتيجية.
أما المسار السياسي، فيرى محللون تحدثوا إلى “سي إن إن” أن فرصه أصبحت أضيق بعد أشهر من التحذيرات والضغوط المتبادلة. وتقول بيانكو إن الرياض ربما تكون قد «استنفدت الحلول السياسية»، بينما يرى محمد الباشا أن قبول المطالب الحوثية كاملة ستكون كلفته السياسية كبيرة جداً على السعودية.
ومع ذلك، تبقى هذه تقديرات محللين وليست إعلاناً سعودياً بأن الحل السياسي انتهى.
وهنا تكمن المعضلة: كلما اقترب الحوثيون من إحكام مواقعهم حول باب المندب وواصلوا الهجمات على السعودية، ترتفع كلفة عدم الرد؛ لكن كلما اتسع الرد السعودي، زادت احتمالات تحول اليمن مجدداً إلى جبهة رئيسية في صراع إقليمي أكبر يمتد من هرمز إلى البحر الأحمر.
المدنيون يدفعون الثمن
بعيداً عن حسابات باب المندب والنفط والصراع الإقليمي، يواجه اليمنيون مجدداً خطر العودة إلى حرب أهلية واسعة بعد سنوات من الهدوء النسبي منذ هدنة 2022.
ووفق وزارة حقوق الإنسان التابعة للحكومة اليمنية، قُتل نحو 150 مدنياً منذ 3 سبتمبر/ أيلول وأصيب أكثر من 200.
وتقدر الأمم المتحدة أن أكثر من 80 ألف شخص نزحوا خلال أسبوعين، بينهم أكثر من ألفي شخص فروا بالقوارب إلى جيبوتي.
وهذه التطورات تثير مخاوف من عودة اليمن إلى مرحلة من الحرب التي أودت خلال أكثر من عقد بحياة أكثر من 150 ألف شخص ودفعت البلاد إلى حافة المجاعة.
وتشير “سي إن إن” إلى أن نحو 22 مليون يمني، أي قرابة نصف السكان، يحتاجون حالياً إلى مساعدات إنسانية.






