في مركز تجاري على أطراف العاصمة التايلندية بانكوك، اصطف مئات الشبان أمام جرة صغيرة تحتوي على بطاقات تحدد مصيرهم العسكري.
بطاقة سوداء تعني العودة إلى المنزل معفى من الخدمة، أما البطاقة الحمراء فتعني الالتحاق الفوري بالجيش التايلندي لمدة قد تصل إلى عامين.
هذا المشهد السنوي، الذي يُقام كل أبريل قبل رأس السنة التايلندية، بات واحداً من أكثر القضايا إثارة للانقسام في تايلاند، رغم تصاعد النزعة القومية بعد الحرب الحدودية مع كمبوديا العام الماضي.
خوف وأحلام معلقة
الشاب باتشايا ثارونغفون، البالغ 23 عاماً، كان ينتظر دوره بقلق شديد.
قال: “لدي طفلة عمرها سنة ونصف. أريد أن أراها تكبر، لا أن أبتعد عنها لعامين”.
لكن الحظ لم يكن إلى جانبه، إذ سحب البطاقة الحمراء، ما يعني التحاقه بالبحرية التايلندية لعامين كاملين.
ورغم محاولته تقبل الأمر باعتباره “فرصة جديدة”، فإن كثيرين ممن سحبوا البطاقة الحمراء بدوا في حالة صدمة وإحباط، بينما انفجر آخرون بالبكاء أو سقطوا أرضاً من شدة التوتر، في حين احتفل أصحاب البطاقات السوداء بانتصار يشبه النجاة.

نظام تجنيد مثير للجدل
يفرض القانون التايلندي الخدمة العسكرية الإلزامية على الرجال، ويُطلب من الشباب بين 18 و29 عاماً إما التطوع أو دخول “يانصيب التجنيد”.
ويمكن لبعض الطلاب تجنب الخدمة عبر إكمال ثلاث سنوات من التدريب الدفاعي خلال المرحلة الثانوية، لكن هذه المراكز ليست متاحة بسهولة في المناطق الريفية.
أما من يتجاوز الفحوصات الصحية ويبلغ 21 عاماً، فيجد نفسه أمام خيارين:
التطوع بخدمة أقصر، أو المخاطرة بالسحب العشوائي.
الاقتصاد يدفع الشباب نحو الجيش
بحسب تقارير صحيفتي نيويورك تايمز والغارديان، ارتفع عدد المتطوعين للخدمة العسكرية بنسبة 22% هذا العام، ليقترب من 50 ألف شاب.
ويرى مراقبون أن السبب لا يعود فقط إلى تصاعد الحس الوطني بعد التوتر مع كمبوديا، بل أيضاً إلى تباطؤ الاقتصاد وندرة فرص العمل.
ويحصل المجند على راتب شهري يقارب 11 ألف بات تايلندي (نحو 340 دولاراً)، إضافة إلى السكن والطعام والرعاية الطبية، وهي مزايا يراها بعض الشباب أكثر استقراراً من سوق العمل المتعثر.
وقال أحد المتطوعين:
“كمتطوع أستطيع اختيار المعسكر ومدة الخدمة والمكان الأقرب إلى منزلي”.
حملات دعائية تستهدف الشباب
الجيش التايلندي كثّف حضوره على وسائل التواصل الاجتماعي بأسلوب ساخر لجذب المجندين الشباب.
ومن بين المنشورات التي أثارت الجدل:
“هل مللت من زوجتك؟ تعال هذا أبريل وانضم إلى الجيش”.
ومنشور آخر يقول:
“الالتزام بالتدريب يصنع الانضباط.. أما الالتزام بها فلا يجلب سوى مشاعر أخوية”.
انتقادات حادة وانتهاكات موثقة
ورغم ارتفاع أعداد المتطوعين، لا تزال الخدمة العسكرية تواجه انتقادات واسعة.
فقد وثقت منظمة العفو الدولية حالات تنمر وتعذيب داخل المعسكرات، بينها الضرب بالأحذية العسكرية وأعقاب البنادق، وإجبار المجندين على تدريبات حتى الانهيار.
كما تحدث الاتحاد الدولي لحقوق الإنسان عن وفاة 17 طالباً عسكرياً ومجنداً بين 2015 و2024 نتيجة التعذيب أو سوء المعاملة.
وفي المقابل، تؤكد السلطات العسكرية أنها بدأت إصلاحات تدريجية، بينها منع العقوبات المفرطة والسماح بمحاكمة العسكريين المتورطين بانتهاكات أمام المحاكم المدنية.
جدل سياسي مستمر
يرى منتقدو نظام التجنيد أن الجيش يستخدم آلاف المجندين كعمالة مجانية أو خدم شخصيين لكبار الضباط، فيما يطالب سياسيون معارضون بتحويل الجيش إلى قوة احترافية تعتمد بالكامل على التطوع.
ويقول نواب معارضون إن ميزانية الجيش ما تزال تفتقر إلى الشفافية، وإن البلاد لا تملك “معادلة واضحة” لتحديد عدد المجندين المطلوب سنوياً.
لكن محللين يعتقدون أن الحرب الأخيرة مع كمبوديا عززت نفوذ المؤسسة العسكرية مؤقتاً، ما قد يؤجل أي إصلاح جذري لنظام التجنيد الإجباري.
وفي النهاية، يبدو أن كثيراً من الشباب التايلندي لا ينظر إلى الخدمة العسكرية بوصفها خياراً وطنياً خالصاً، بل باعتبارها قراراً اضطرارياً تفرضه تقلبات الاقتصاد والخوف من المجهول.







