التداعيات الاقتصادية لأزمة مضيق هرمز على اقتصادات الاتحاد الأوروبي
العولمة الاقتصادية ليست مجرد فرصة للازدهار المشترك، بل هي أيضاً ناقل فعّال للصدمات العابرة للقارات
د. نوار السعدي/ أكاديمي عراقي متخصص في الاقتصاد الدولي
لم يكن مضيق هرمز يوماً مجرد شريط مائي يفصل بين شبه الجزيرة العربية وسواحل إيران؛ فهذا الممر الذي لا يتجاوز عرضه في أضيق نقاطه أربعة وثلاثين كيلومتراً، يحمل على عاتقه يومياً عبء خُمس إمدادات النفط العالمية، وحصة وازنة من الغاز الطبيعي المسال. وحين اندلعت الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران، وجاء الرد الإيراني مستهدفاً البنية التحتية للطاقة في الخليج، أسفر ذلك عن إغلاق شبه تام للمضيق، ما أحدث موجات صدمة عنيفة عبر الأسواق العالمية.
بيد أن المفارقة اللافتة تكمن في أن القارة الأوروبية —التي تبعد آلاف الكيلومترات عن مسرح الأحداث— تجد نفسها اليوم في قلب هذه العاصفة الاقتصادية؛ تدفع فاتورة جغرافيا لم تخترها، وتكتشف هشاشة بنيتها الطاقوية التي ظنّت أنها تجاوزتها منذ أزمة الغاز الروسية.
أولاً: أوروبا وهرمز.. ارتباطٌ أعمق مما يبدو
يرى كثيرون للوهلة الأولى أن الاتحاد الأوروبي أقل اعتماداً على مضيق هرمز مقارنة بالاقتصادات الآسيوية الكبرى كالصين واليابان وكوريا الجنوبية. وهذا صحيح جزئياً، لكنه يُخفي حقيقة أكثر تعقيداً؛ فنحو 8.5% من واردات الاتحاد الأوروبي من الغاز الطبيعي المسال، و7% من وارداته من النفط الخام ومشتقاته تعبر هذا المضيق. أما الوقود المكرر كوقود الطائرات والديزل، فإن التعرض فيه أشد وطأةً، إذ يمر عبر هرمز ما يصل إلى 40% من إجمالي واردات الاتحاد منه.
والمفارقة هنا أن جهود أوروبا في تنويع مصادر الطاقة بعد الحرب الروسية الأوكرانية —وإن نجحت في تقليص الاعتماد على موسكو— قد رسّخت في المقابل اعتماداً متصاعداً على الغاز المسال الخليجي. فمنذ عام 2021، انخفضت حصة روسيا في واردات الاتحاد الأوروبي من النفط الخام من 27% إلى 3% بحلول نهاية عام 2025؛ وهو تحولٌ استلزم استثمارات ضخمة في محطات استقبال الغاز والربط العابر للحدود. وبذلك، انتقلت أوروبا من تبعية جغرافية نحو الشرق إلى تبعية أخرى نحو الخليج، لتجد نفسها مجدداً مكشوفة أمام أزمات المضيق.
ثانياً: الصدمة الاقتصادية.. أرقامٌ تُثير القلق
لم تكن التداعيات الاقتصادية مجرد توقعات نظرية، بل تجسّدت في أرقام صارخة؛ إذ قدّر الاتحاد الأوروبي قفزة أسعار الغاز بنسبة 70% وأسعار النفط بنسبة 50%، مما أضاف ما يزيد على 13 مليار يورو إلى فاتورة واردات الوقود. وعلى مستوى أشمل، أكدت رئيسة المفوضية الأوروبية “أورسولا فون دير لاين” أن الأزمة تكلّف ميزانية الاتحاد ما يقارب 500 مليون يورو يومياً جراء الارتفاعات الحادة في أسعار الطاقة.
وعلى صعيد النفط الخام، تجاوز خام برنت حاجز الـ 100 دولار للبرميل في أبريل الماضي، ليصل في ذروة التوترات إلى مستويات قاربت 110 دولارات. أما أسواق الغاز الأوروبية، فقد دخلت في حالة ارتهان كامل لمآلات الأزمة؛ حيث أكدت وكالة الطاقة الدولية في أبريل 2026 أن أسعار الغاز في أوروبا باتت “رهينة” للتطورات في مضيق هرمز، مشيرة إلى أن مستويات المخزونات الاستراتيجية التي بلغت 62% في مارس قد تعجز عن بلوغ المستهدف البالغ 90% قبيل شتاء 2026-2027.
ثالثاً: القطاعات المنكوبة.. من المصنع إلى المطار
تتوزع تداعيات الأزمة على طيف واسع من القطاعات الاقتصادية الحيوية:
-
الصناعة الثقيلة وألمانيا في المرمى: يعتمد قطاع التصنيع الألماني بصورة كبيرة على سلاسل الإمداد العابرة لمضيق هرمز لضمان تدفق الوقود والمواد الخام. ومع إغلاق هذا الممر، تواجه ألمانيا خطر تقويض قدرتها الصناعية بسبب التصاعد الحاد في تكاليف التشغيل، وهو ما ينعكس بدوره على سلسلة الإمداد الأوروبية بأسرها.
-
قطاع الطيران على الحافة: حذر “فاتح بيرول”، رئيس وكالة الطاقة الدولية، من أن أوروبا لا تمتلك مخزوناً من وقود الطائرات يكفي لأكثر من ستة أسابيع، معتبراً أن العالم يواجه “أكبر أزمة طاقة على الإطلاق”. وتجسّدت الأزمة ميدانياً حين ألغت شركة (KLM) الهولندية 160 رحلة لشهر مايو، فيما أوقفت “لوفتهانزا” الألمانية 27 طائرة عن الخدمة.
-
المالية العامة والدعم الحكومي: رفعت الحكومة الفرنسية مخصصات دعم الوقود لشهر مايو إلى 180 مليون يورو، بزيادة قدرها 20% عن شهر أبريل، نتيجة تعطل الإمدادات. وتؤشر هذه الأرقام إلى عبء متصاعد على الخزائن العامة في وقت تعاني فيه معظم الحكومات الأوروبية من ضغوط مالية مزمنة.
رابعاً: كشف الهشاشة الهيكلية
ربما لا يكمن الدرس الأعمق لهذه الأزمة في الجانب الاقتصادي الضيق فحسب، بل في البعد الهيكلي والجيوستراتيجي؛ فقد كشف الصراع عن “ثغرة معلوماتية” في قلب الاتحاد الأوروبي، إذ اصطدم القادة بحقيقة مفاجئة وهي غياب بيانات دقيقة وموحدة حول حجم مخزونات الوقود الحقيقية التي تمتلكها القارة.
وعلى صعيد إعادة تشكيل خرائط الإمداد، اضطرت ناقلات كانت متجهة من أوروبا نحو آسيا لتغيير مسارها لتأتي بدلاً من ذلك من غرب أفريقيا والولايات المتحدة. وبينما لا تزال عمليات التسليم ضمن المعدلات المقبولة، فإن المعضلة تكمن في “الفرص الضائعة” وعجز أوروبا عن الاستفادة الكاملة من إمدادات الطاقة الإضافية التي تطرحها أمريكا في السوق بسبب ارتباك سلاسل الإمداد العالمية.
الدروس المستفادة من الأزمة
تؤكد أزمة مضيق هرمز أن العولمة الاقتصادية ليست مجرد فرصة للازدهار المشترك، بل هي أيضاً ناقل فعّال للصدمات العابرة للقارات. إن التأثيرات النهائية ستتوقف على أمد الأزمة وحدتها، مما يجعل المراقبة المستمرة ضرورة لا غنى عنها لتقييم المخاطر المتطورة.
والسؤال الذي يفرضه الواقع بإلحاح: هل تمتلك أوروبا إرادة البناء الحقيقي للاستقلالية الطاقوية الاستراتيجية، أم ستكتفي بإدارة الأزمة الراهنة والعودة إلى ترتيباتها القديمة حال انحسار التوترات؟ إن الإجابة على هذا السؤال هي ما سيحدد ملامح الاقتصاد الأوروبي للعقد المقبل.
