انسحاب الإمارات من أوبك: بداية تفكك إدارة سوق النفط أم إعادة تموضع ذكي؟
السعدي: نحن أمام بداية تحول تدريجي من نموذج “إدارة السوق” الذي تقوده أوبك
د. نوار السعدي / كاتب وأكاديمي عراقي مختص بالشأن الاقتصادي
يعد قرار انسحاب الإمارات العربية المتحدة من منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) وتحالف ” أوبك بلاس” تحولاً لافتاً في مسار سوق النفط العالمي، يتجاوز كونه خطوة فنية مرتبطة بحصص الإنتاج إلى كونه إعادة تموضع استراتيجي في بيئة طاقة تتسم بتسارع التغيرات وعدم اليقين.
من وجهة نظري، هذا القرار يعكس توجهاً واضحاً لدى أبوظبي نحو تعظيم استقلاليتها الإنتاجية، خاصة في ظل استثماراتها الكبيرة لرفع الطاقة الإنتاجية خلال السنوات المقبلة. البقاء ضمن نظام الحصص لم يعد ينسجم مع طموحات دولة تسعى إلى توسيع حصتها السوقية والاستفادة القصوى من مواردها، خصوصاً في مرحلة تتزايد فيها المنافسة بين المنتجين.

في المقابل، لا يمكن قراءة هذا الانسحاب بمعزل عن السياق الجيوسياسي. التوترات الإقليمية، ولا سيما تلك المرتبطة بإيران وأمن مضيق هرمز، كشفت عن هشاشة التنسيق داخل التحالف وأضعفت مستوى الثقة بين بعض أعضائه. هذه البيئة المضطربة دفعت بعض الدول إلى إعادة حساباتها، ليس فقط اقتصادياً، بل أيضاً من زاوية الأمن الاستراتيجي للإمدادات.

إضعاف قدرة أوبك
اقتصادياً، من المتوقع أن يؤدي هذا التطور إلى إضعاف قدرة أوبك على إدارة السوق كما في السابق. فكلما تراجعت درجة الالتزام الجماعي، ازدادت احتمالات خروج الإنتاج عن السيطرة، ما يفتح الباب أمام موجات من التقلب في الأسعار، خصوصاً إذا اتجهت دول أخرى إلى تبني سياسات إنتاج أكثر استقلالية.
مع ذلك، وعلى المدى القصير، قد يبقى تأثير القرار محدوداً نسبياً، نظراً لارتباط أي زيادة فعلية في الإمدادات بعوامل لوجستية وأمنية، في مقدمتها سلامة طرق التصدير في الخليج. بمعنى آخر، السوق اليوم لا يتأثر فقط بقرارات الإنتاج، بل أيضاً بقدرة الدول على إيصال النفط إلى الأسواق في ظل المخاطر الجيوسياسية.
يعني، نحن أمام بداية تحول تدريجي من نموذج “إدارة السوق” الذي تقوده أوبك إلى نموذج أكثر تحرراً، لكنه في الوقت ذاته أكثر عرضة للتقلبات. وهذا التحول يفرض على الدول المنتجة، ومنها العراق، إعادة التفكير في سياساتها النفطية بما يحقق التوازن بين تعظيم الإيرادات والحفاظ على الاستقرار الاقتصادي في بيئة دولية متغيرة.