تمثال الجواهري يشعل الجدل.. اعتراض من حفيدته وانتقادات تطال تصميمه
نصب الجواهري تحول إلى قضية ثقافية تتجاوز العمل النحتي نفسه (منصة إكس)
أثار تمثال الشاعر العراقي الكبير محمد مهدي الجواهري، الذي أنجزه النحات العراقي المخضرم نداء كاظم، موجة واسعة من الجدل في الأوساط الثقافية والفنية العراقية، وذلك قبل افتتاحه رسميًا في شارع أبي نؤاس ببغداد.
ورغم ترحيب كثيرين بمبادرة مجلس الوزراء العراقي لتخليد أحد أبرز رموز الشعر العربي، فإن تصميم التمثال أثار انتقادات من أفراد عائلة الجواهري وعدد من الشعراء والفنانين، الذين رأوا أنه لا يعكس شخصية الشاعر المعروفة بالحيوية والاعتداد بالنفس.

تعليق حفيدة الجواهري
وقالت بان فرات الجواهري، حفيدة الجواهري، في منشور على صفحتها في فيسبوك، إنها تتقدم بالشكر والامتنان إلى مجلس الوزراء والنحات نداء كاظم على إنجاز التمثال، ووصفت إقامة نصب للجواهري بأنها “مبادرة رائعة لتمجيد رمز عراقي وعربي كبير”.
إلا أنها أوضحت أن هذا يمثل “وجهة نظرها الشخصية”، معتبرة أن التمثال لا يجسد شخصية الجواهري الثورية والمناضلة، مشيرة إلى أن الشاعر كان معروفًا بحركات يديه أثناء إلقاء قصائده، وأن رفع ذراعه وإيماءاته كانا جزءًا أساسيًا من حضوره الشعري.
وأضافت أن تصوير الجواهري واقفًا ويداه خلف ظهره توحي، من وجهة نظرها، بحالة من الخضوع، معتبرة أن هذا المشهد لا ينسجم مع الصورة الراسخة للشاعر الذي عُرف بالشموخ وقوة الحضور، وأن التمثال ركز على تفاصيل الوجه والجسد أكثر من التعبير عن شخصيته.
“آن لك أن تستريح”
ومن جانبه، انتقد الشاعر العراقي حميد قاسم العمل أيضًا، وكتب عبر صفحته الشخصية في فيسبوك أنه فوجئ بأن النحات نفسه الذي أنجز تمثال بدر شاكر السياب قبل أكثر من نصف قرن هو من نفذ تمثال الجواهري، معربًا عن اعتقاده بأن العمل جاء “ساذجًا” من حيث التكوين والنسب، وخاطب النحات نداء كاظم قائلًا: “آن لك أن تستريح”.
أما الكاتبة والروائية العراقية ميسلون هادي فرأت أن شكل التمثال لاعلاقة له بالجواهري ولا وقفته، وعبرت عن استغرابها لذلك.
وبدوره قال النحات العراقي هادي الجياشي إن ” كل فنان نحات له وجهة نظر ويحق له النقد.. أنا كنحات بسيط لدية وجة نظر … أي شخصية التي يقوم بها النحات لعمل نحتي يجب أن يدرس سيرة حياته بالكامل ويلخص هذه السيره في أعماله، وما يتضمن من سيرة حياته وأجعلها نموذج في عمله النحتي ….اللمسة النحتيه تستوجب حفظ تراث هذا الشاعر والرمزيه في حياته الشخصيه يجب الجمع بين شخصيته والحياة الطبيعة وما ينتبه هذا الشاعر ..علينا أن نختصر كل ماهو فيه بعمل نحتي يليق به”.
وشهدت مواقع التواصل الاجتماعي انقسامًا في الآراء؛ إذ رأى كثير من المعلقين أن التمثال لا يعكس لغة الجسد التي اشتهر بها الجواهري، بينما دعا آخرون إلى التريث واحترام رؤية النحات الفنية، مؤكدين أن الحكم النهائي ينبغي أن يصدر عن المختصين في فن النحت، لا عن الانطباعات العامة.
في المقابل، دافع بعض الفنانين والمهتمين عن نداء كاظم، معتبرين أن للرؤية الفنية خصوصيتها، وأن من الإنصاف انتظار توضيح من النحات قبل إطلاق الأحكام النهائية، فيما طالب آخرون بإقامة مسابقات مفتوحة يشارك فيها نحاتون شباب إلى جانب كبار الفنانين لإنجاز النصب الوطنية المستقبلية.
وبين الإشادة بمبادرة تخليد “شاعر العرب الأكبر”، والانتقادات التي طالت الشكل الفني للتمثال، يبدو أن نصب الجواهري تحول إلى قضية ثقافية تتجاوز العمل النحتي نفسه، لتفتح نقاشًا أوسع حول آليات إنجاز النصب التذكارية في العراق، ودور اللجان الفنية في اعتمادها، وكيفية تجسيد الشخصيات التاريخية بما ينسجم مع صورتها الراسخة في الذاكرة العراقية.
بشار إلى أن محمد مهدي الجواهري (1899–1997) يلقب بـ ” شاعرالعرب الأكبر” وأحد أعظم شعراء مدرسة عمود الشعر التقليدي في العصر الحديث. وُلد مدينة النجف، وعُرف بقوة لغته ومواقفه الوطنية والسياسية الجريئة التي عرضته للملاحقة والنفي، كما لُقب بـ “نهر العراق الثالث”.
وللجواهري العديد من الفصائد الشهيرة، أبرزها “يا دجلة الخير”:-
حَيّيتُ سفحَكِ عن بُعْدٍ فحَيِّيني يا دجلةَ الخيرِ، يا أُمَّ البساتينِ
حييتُ سفحَك ظمآناً ألوذُ به لوذَ الحمائمِ بين الماءِ والطين
يا دجلةَ الخيرِ يا نبعاً أفارقُهُ على الكراهةِ بين الحِينِ والحين
إنِّي وردتُ عُيونَ الماءِ صافيةَ نَبْعاً فنبعاً فما كانت لتَرْويني
وأنتَ يا قارَباً تَلْوي الرياحُ بهِ لَيَّ النسائمِ أطرافَ الأفانين
ودِدتُ ذاك الشِراعَ الرخص لو كفني يُحاكُ منه غَداةَ البَين يَطويني
يا دجلةَ الخيرِ: قد هانت مطامحُنا حتى لأدنى طِماحِ غيرُ مضمون
أتَضمنينَ مَقيلاً لي سَواسِيةً بين الحشائشِ أو بين الرياحين؟
خِلْواً مِن الـهمِّ إلاّ همَّ خافقةٍ بينَ الجوانحِ أعنيها وتَعنيني
تَهُزُّني فأُجاريها فتدفعُني كالريح تُعجِل في دفع الطواحين
يا دجلةَ الخيرِ: يا أطيافَ ساحرةٍ يا خمرَ خابيةٍ في ظلِّ عُرْجون
يا سكتةَ الموتِ، يا إعصارَ زوبعةٍ يا خنجرَ الغدرِ، يا أغصانَ زيتون
يا أُم بغدادَ، من ظَرفٍ، ومن غَنَجٍ مشى التبغددُ حتى في الدهاقين
يا أمَّ تلك التي من «ألفِ ليلتِها» للآنَ يعبِق عِطرٌ في التلاحين
يا مُستَجمَ «النُّوُاسيِّ» الذي لبِستْ به الحضارةُ ثوباً وشيَ «هارون»
الغاسلِ الـهمَّ في ثغرٍ، وفي حَبَبٍ والمُلبسِ العقلَ أزياءَ المجانين
والساحبِ يأباه الزِّقَّ ويُكرِهُه والمُنْفِقِ اليومَ يُفدى بالثلاثين
والراهنِ السابِريَّ الخزَّفي قدحٍ والملـهِمِ الفنَّ من لـهوٍ أفانين
والمُسْمعِ الدهرَ، والدنيا، وساكنَها قرْعَ النواقيسِ في عيدِ الشعانين
يا دجلة الخير: ما يُغليكِ من حنَقٍ يُغلي فؤادي، وما يُشجيكِ يشجيني
وفي مقطع آخر من القصيدة يقول : –
وما البُطولاتُ إعجازٌ وإنْ قنِعت نفسُ الْجبانِ عن العلياء بالـهُون
وإنَّما هي صفوٌ منْ مُمارَسَةٍ للطارئات، وإمعَانٍ، وتمرين
لا يُولَدُ المَرءُ لاهِرَّاً ولا سَبُعاً لكن عصارةَ تجريبٍ وتلقين
يا دجلة الخير: كم معنًى مزجتُ لـه دمي بلحمي في أحلى المواعين
ألفيته فَرْطَ ما ألوى اللواةُ به يشكو الأمرَّينِ من عَسْفٍ ومن هُون
أجرَّه الشوكَ ألفاظٌ مُرَصَّفةٌ أجرَّها الشوكَ سجعٌ شِبهٌ موزون
سَهِرتُ ليلَ «أخي ذبيان» أحضُنه حَضْنَ الرواضعِ بين العتِّ واللين
أعِيدُ من خَلقه نحتاً وخَضْخضةً والنجمُ يَعْجَب من تلك التمارين
حول هذه القصة
جمهور ماجد المهندس لا ينتظر منه الصدمة أو التجديد المفاجئ، بل يبحث عن حالة من الاطمئنان الفني
شذى عبو تبحث عن التوازن بين الذاكرة العراقية والحداثة المعاصرة ( أوج 24)