بين آلاف العناوين التي تصطف على رفوف معرض بغداد الدولي للكتاب، لا تبدو الحكاية مجرد دور نشر تبيع إصدارات جديدة، ولا زوار يتنقلون بين الأجنحة بحثاً عن رواية أو كتاب في التاريخ والفكر. ففي بغداد، يحمل معرض الكتاب معنى أبعد من ذلك؛ إنه استعادة لعلاقة قديمة بين مدينة والقراءة، علاقة نجت من الحروب والحصار والعنف والتحولات السياسية، ووصلت من ألواح الطين الأولى إلى الكتاب الورقي الذي لا يزال العراقيون يتزاحمون لاقتناء نسخه.
ومع افتتاح الدورة السابعة والعشرين من معرض بغداد الدولي للكتاب في دورته الـ27 ( 2 -12 أيلول/ سبتمبر 2026)، عادت المقولة العربية الشهيرة إلى الواجهة: «القاهرة تكتب، وبيروت تطبع، وبغداد تقرأ».
لكن السؤال الذي يطرحه المشهد اليوم هو: هل ما زالت بغداد تقرأ كما كانت؟
المؤشرات داخل المعرض تقول إن الكتاب لم يفقد مكانه تماماً، حتى في زمن الهواتف الذكية والمنصات الرقمية. فالإقبال الواسع، وتنوع أعمار الزائرين واهتماماتهم، وحضور دور النشر العراقية والعربية والأجنبية، كلها تعيد إلى الأذهان تقليداً ثقافياً ارتبط بالعراق منذ آلاف السنين.

بغداد تكتب وتطبع وتقرأ
خلال افتتاح المعرض، استعاد مسؤولون ومثقفون المقولة القديمة عن بغداد والكتاب، لكن وكيل وزارة الثقافة فاضل البدراني رأى أن الزمن تجاوزها.
فبالنسبة إليه، لم تعد بغداد مجرد مدينة تقرأ ما يكتبه الآخرون ويطبعونه، بل أصبحت «تكتب وتطبع وتقرأ».
ويشير البدراني إلى أن دور النشر تنظر إلى المشاركة في معارض الكتب العراقية باعتبارها مشاركة ذات أهمية خاصة، بسبب حجم الإقبال والمبيعات وتنوع اهتمامات الجمهور.
ولا يقتصر الأمر على الروايات والشعر، إذ يبحث الزوار عن كتب الاجتماع والتاريخ والتراث والإعلام والعلوم والاقتصاد والفكر، بما يعكس جمهوراً لا يتحرك في اتجاه واحد.
وفي أروقة المعرض، يمكن أن يلتقي قارئ يبحث عن أحدث رواية عربية مع آخر يتفحص كتاباً عن حضارات وادي الرافدين، وطالب يريد مرجعاً جامعياً، وشاب يكتشف للمرة الأولى اسماً فلسفياً أو أدبياً ظل بعيداً عنه.
هنا يصبح المعرض أشبه بخريطة صغيرة للأذواق والاهتمامات العراقية.
عندما يكون الكتاب أكثر من سلعة
بالنسبة إلى كثير من العراقيين، لا يمثل الكتاب مجرد منتج ثقافي.
قبل سنوات، وفي معرض كتاب آخر في بغداد، قالت طبيبة عراقية شابة لصحيفة «نيويورك تايمز»: «القراءة علاجي».
كانت تشتري كتباً عن حضارات بلاد ما بين النهرين ورواية مترجمة، لكنها قالت إن مجرد زيارة المعرض تمنحها شعوراً بالرضا حتى إن لم تشترِ شيئاً.
وفي العبارة شيء من تفسير السر وراء استمرار معارض الكتب في جذب العراقيين.
فالزيارة نفسها طقس ثقافي واجتماعي: عائلات، طلبة، مجموعات من الأصدقاء، قراء يبحثون عن عناوين محددة، وآخرون يأتون فقط للتجول بين الرفوف.
وفي بلد استهلكت السياسة والحروب جانباً كبيراً من حياته العامة، يوفر معرض الكتاب مساحة مختلفة؛ مكاناً يمكن فيه للناس أن يتحدثوا عن رواية أو شاعر أو فكرة، بعيداً ـ ولو لساعات ـ عن ضجيج الأزمات اليومية.
حكاية بدأت قبل خمسة آلاف عام
لكن علاقة العراق بالكتابة أقدم بكثير من معارض الكتب الحديثة.
فعلى أرض بلاد ما بين النهرين ظهرت قبل أكثر من خمسة آلاف عام واحدة من أقدم أنظمة الكتابة المعروفة في التاريخ، عندما بدأ سكان المدن السومرية بتدوين الرموز المسمارية على ألواح الطين.
كانت تلك الألواح تستخدم في البداية لتسجيل الحسابات والمعاملات، ثم أصبحت وسيلة لتدوين القوانين والأساطير والآداب والمعرفة.
ومن هذه الأرض وصلت إلينا نصوص مثل ملحمة جلجامش، واحدة من أقدم الأعمال الأدبية الباقية في تاريخ البشرية.
وبعد آلاف السنين، أصبحت بغداد العباسية واحدة من أهم مراكز المعرفة في العالم.
وفي القرن التاسع الميلادي، ارتبط اسمها بـ«بيت الحكمة»، حيث تُرجمت مؤلفات في الفلسفة والطب والرياضيات والفلك من لغات مختلفة إلى العربية، واجتمع علماء من مناطق تمتد من آسيا الوسطى إلى شمال أفريقيا.
لم تكن بغداد يومها تقرأ فقط، بل كانت تنتج المعرفة وتنقلها بين الحضارات.

من بيت الحكمة إلى المستنصرية
وتواصل هذا الإرث في القرون التالية.
فالمدرسة المستنصرية، التي شُيدت في القرن الثالث عشر على ضفة دجلة، أصبحت واحدة من أبرز المؤسسات العلمية والتعليمية في العالم الإسلامي، وضمت تخصصات في علوم الدين واللغة والطب والرياضيات وغيرها.
ولهذا يرى مثقفون عراقيون أن الإقبال المعاصر على الكتاب ليس ظاهرة طارئة، بل امتداد لذاكرة طويلة تشكلت حول التعليم والكتابة والمعرفة.
وربما لهذا السبب تحديداً ظلت المكتبة حاضرة في البيت العراقي حتى في أكثر الأزمنة صعوبة.
الورق يقاوم الشاشة
اليوم يواجه الكتاب تحدياً مختلفاً.
فلم يعد الخطر حظراً أو حرباً فقط، بل منافسة الشاشة الصغيرة التي ترافق الإنسان طوال اليوم.
يمكن تنزيل آلاف الكتب في هاتف واحد، والوصول خلال ثوان إلى مكتبات رقمية ضخمة، لكن الكتاب الورقي ما زال يحتفظ بجاذبيته.
قال بائع كتب عراقي شاب إن فتح الكتاب الورقي يشبه «الدخول في رحلة الكاتب»، وإن للكتاب الورقي «روحاً» لا يجدها في النسخة الرقمية.
وربما تفسر هذه العلاقة الحسية جزءاً من الزحام أمام أجنحة المعرض: لمس الغلاف، تقليب الصفحات، قراءة الفقرة الأولى، ثم اتخاذ قرار شراء كتاب سيأخذ مكانه لاحقاً على رف في منزل ما.

أكثر من معرض
في افتتاح الدورة الحالية، وصف رئيس الوزراء علي فالح الزيدي الكتاب بأنه جسر إلى المستقبل ووسيلة لمواجهة الجهل والتطرف وحفظ الهوية، مؤكداً أن بغداد لا تزال «قبلة للثقافة ومنارة للفكر وحاضنة للكلمة».
غير أن القيمة الحقيقية لمعرض الكتاب قد لا تكمن في الخطابات الرسمية بقدر ما تظهر في التفاصيل الصغيرة بين ممراته.
طفل يحمل أول كتاب اختاره بنفسه، شاب يقف طويلاً أمام جناح للفلسفة، قارئ يبحث عن طبعة قديمة، عائلة تغادر بأكياس ممتلئة، وناشر يعود إلى بغداد لأنه يعرف أن كتبه ستجد من يسأل عنها.
كل ذلك يعيد طرح المقولة القديمة، ولكن بصيغة جديدة.
ربما لم تعد القاهرة وحدها تكتب، ولا بيروت وحدها تطبع، وبالتأكيد لم تعد بغداد وحدها تقرأ.
لكن شيئاً من تلك العبارة ما زال حياً.
فمن المسمار الذي خُطّ على لوح طيني قبل خمسة آلاف عام، إلى مكتبات بغداد العباسية والمستنصرية، ومن أرصفة المتنبي إلى أجنحة معرض الكتاب اليوم، بقيت الكلمة جزءاً من صورة العراق عن نفسه.
تغيرت الحكومات، وعبرت الحروب، وتبدلت وسائل القراءة، لكن العراقيين ما زالوا يعودون إلى الكتاب.
وربما لهذا تبدو صورة قارئ يحمل كتاباً وسط زحام معرض بغداد أكثر من مجرد مشهد ثقافي عابر؛ إنها استمرار لحكاية طويلة بدأت على هذه الأرض قبل أن يعرف العالم الكتاب بشكله الذي نعرفه اليوم.
المصادر / وكالة الأنباء العراقية – نيويورك تايمز









