في وقت كان يُفترض أن تبدأ فيه مرحلة جديدة من التهدئة بين الولايات المتحدة وإيران بعد توقيع مذكرة التفاهم التاريخية بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، وصلت الأزمة سريعاً إلى أول منعطف خطير.
فمع استمرار القتال في لبنان وتصاعد التهديدات بشأن مضيق هرمز، وجد جي دي فانس نائب الرئيس الأميركي نفسه متوجهاً إلى سويسرا في مهمة تبدو أقرب إلى “إنقاذ الاتفاق” منها إلى إطلاق مفاوضات هادئة حول الملف النووي الإيراني.
لماذا تُعد محادثات سويسرا مهمة؟
هذه هي أول لقاءات مباشرة رفيعة المستوى بين واشنطن وطهران منذ توقيع “مذكرة إسلام آباد” التي أنهت الحرب ووضعت إطاراً عاماً لمفاوضات تستمر 60 يوماً بهدف التوصل إلى اتفاق نهائي بشأن البرنامج النووي الإيراني ومستقبل العقوبات والأمن الإقليمي.
الاتفاق الذي وُقّع الأسبوع الماضي لم يكن اتفاقاً نهائياً، بل مجرد إطار سياسي واسع يحتاج إلى عشرات التفاصيل الفنية المعقدة. ولهذا جاءت اجتماعات سويسرا لبدء صياغة تلك التفاصيل، خصوصاً ما يتعلق بمخزون إيران من اليورانيوم المخصب وآليات الرقابة الدولية ومستقبل العقوبات الاقتصادية.
لكن قبل أن تبدأ المفاوضات فعلياً، انفجرت أزمة جديدة على الجبهة اللبنانية هددت بإفشال العملية كلها.

لبنان يتحول إلى العقدة الأولى
بحسب المسؤولين الإيرانيين، فإن القضية الأكثر أهمية بالنسبة لوفد طهران ليست الملف النووي بل وقف الحرب في لبنان.
وترى إيران أن البند الأول من مذكرة التفاهم ينص بوضوح على “إنهاء الحرب في جميع الجبهات، بما فيها لبنان”، ولذلك تعتبر أن استمرار الضربات الإسرائيلية ضد أهداف في جنوب لبنان والبقاع يمثل انتهاكاً مباشراً للاتفاق.
المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي شدد على أن طهران أوفت بالتزاماتها، بينما أخفق الطرف الآخر في تنفيذ التزامه بإجبار إسرائيل على وقف العمليات العسكرية.
ولهذا السبب تؤكد إيران أن محادثات سويسرا الحالية لا تمثل بداية المرحلة الرسمية للمفاوضات النهائية، بل هي اجتماع مخصص أولاً لمناقشة كيفية تنفيذ الالتزامات السابقة وضمان عدم انهيار الاتفاق منذ أيامه الأولى.
لماذا تهدد إيران بإغلاق مضيق هرمز؟
في خطوة اعتبرها مراقبون أكبر ورقة ضغط إيرانية منذ توقيع الاتفاق، أعلنت القوات المسلحة الإيرانية أنها ستغلق مضيق هرمز بسبب استمرار العمليات الإسرائيلية في لبنان.
المضيق يُعد أحد أهم الممرات البحرية في العالم، إذ يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط والغاز العالمية. وأي اضطراب فيه يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع حاد في أسعار الطاقة عالمياً.
الرسالة الإيرانية كانت واضحة: إذا لم تتمكن واشنطن من إلزام إسرائيل بتنفيذ وقف إطلاق النار في لبنان، فإن إيران قد تستخدم أوراق القوة التي تملكها في الخليج للضغط على الولايات المتحدة وحلفائها.
لكن القيادة المركزية الأميركية سارعت إلى نفي الرواية الإيرانية، مؤكدة أن حركة الملاحة مستمرة وأن عشرات السفن التجارية وناقلات النفط عبرت المضيق بشكل طبيعي، وأن القوات الأميركية تراقب الوضع لضمان استمرار حرية الملاحة.
ما الذي تريده واشنطن من هذه الجولة؟
قبل مغادرته إلى سويسرا، أوضح فانس أن لدى الإدارة الأميركية هدفين رئيسيين:
الأول هو تثبيت وقف إطلاق النار في لبنان ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة جديدة بين إسرائيل وحزب الله.
أما الهدف الثاني فهو بدء العمل الفني على الملف النووي الإيراني، وخاصة تحديد مصير مئات الكيلوغرامات من اليورانيوم عالي التخصيب الذي تمتلكه طهران.
وتقول مصادر مطلعة إن واشنطن تأمل في أن تنتهي الجولة الأولى بدعوة رسمية من إيران لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية لزيارة المنشآت النووية التي تعرضت للقصف خلال الحرب الأخيرة.
في المقابل، أبدت الولايات المتحدة استعداداً لمنح إيران إمكانية الوصول إلى جزء من أموالها المجمدة، بدءاً من حساب يضم نحو 6 مليارات دولار موجودة في قطر ومخصصة للأغراض الإنسانية.

من يشارك في المفاوضات؟
الوفد الإيراني يقوده رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي، إلى جانب مسؤولين من البنك المركزي وقطاع النفط.
أما الجانب الأميركي فيمثله جي دي فانس والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر.
كما تشارك باكستان وقطر بصفة وسطاء رئيسيين، حيث وصل رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف وقائد الجيش عاصم منير إلى سويسرا ورئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني للمساعدة في تقريب وجهات النظر بين الطرفين.
ما أبرز الخلافات النووية؟
رغم الاتفاق السياسي العام، ما تزال هناك قضايا شائكة للغاية، أهمها:
- مصير مخزون اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب.
- حجم التخصيب المسموح لإيران بالاحتفاظ به مستقبلاً.
- آليات التفتيش الدولي.
- توقيت رفع العقوبات الاقتصادية.
- كيفية الإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة.
- الضمانات المطلوبة لمنع انهيار الاتفاق مستقبلاً.
ويرى خبراء أن مهلة الستين يوماً قد تكون قصيرة جداً لحل هذه الملفات المعقدة، خصوصاً أن الاتفاق النووي المبرم عام 2015 استغرق أكثر من 18 شهراً من التفاوض.
هل الاتفاق في خطر؟
المؤشرات الحالية توحي بأن الطرفين لا يريدان انهيار الاتفاق، لكنهما يحاولان تحسين شروطهما التفاوضية.
إيران تستخدم ملف لبنان ومضيق هرمز كورقتي ضغط للحصول على ضمانات أكبر بشأن تنفيذ بنود الاتفاق.
في المقابل، تحاول واشنطن منع التصعيد الإقليمي والحفاظ على استقرار أسواق الطاقة، مع دفع إيران نحو تقديم تنازلات نووية ملموسة.
ولهذا تبدو محادثات سويسرا وكأنها ليست مجرد مفاوضات حول البرنامج النووي الإيراني، بل اختبار حقيقي لقدرة الولايات المتحدة وإيران على تحويل هدنة هشة إلى تسوية سياسية أوسع تشمل لبنان والخليج والملف النووي معاً.
فإذا نجحت هذه الجولة في احتواء أزمة لبنان وتهدئة التوتر حول مضيق هرمز، فقد تنطلق المفاوضات النووية فعلاً. أما إذا استمرت الاشتباكات وتصاعدت التهديدات المتبادلة، فإن الاتفاق الذي وُلد قبل أيام فقط قد يواجه أول أزمة وجودية تهدد مستقبله بالكامل.






