قصة قصيرة مترجمة… انتحار تحت أنظار الزوجة المثالية

مايو 12, 2026
180

القصة ليست حادثة حقيقية، بل عمل أدبي خيالي

قصة  ” انتحار تحت أنظار الزوجة المثالية” للكاتب والطبيب النفسي الأميركي ديفيد كيلر تُعد واحدة من أبرز قصص الرعب النفسي القصيرة في أدب المجلات الشعبية الأميركية.
ترجمة/ كريم حسين

( نشرت هذه القصة ضمن المجموعة القصصية المترجمة “عندما يستيقظ الشر” عن مكتبة النهضة في بغداد.
********

لقد جزم المحقق بأنها حالة انتحار لا غبار عليها، وهذا ما كنتُ أتوقعه تماماً. بينما كان الجيران يغدقون عليّ بعبارات المواساة، كنتُ أسمع همساتهم المندهشة: “ما الذي قد يدفع رجلاً مثل (جون هاركر) للانتحار وهو يعيش في قمة السعادة والرفاهية؟”.

لو علموا الحقيقة! لم أكن مجرد زوجة، بل كنتُ كياناً كرس حياته لخدمته ورعايته. لقد جعلتُ من البيت متحفاً للنظام، ووهبتُه كل دقيقة من وقتي. كنتُ أدير شؤون حياته بدقة متناهية؛ أمنحه مصروفه الأسبوعي، وأحرص على أن يجد صحيفته المسائية بانتظاره، حتى لو اضطررتُ لطيّها له بعناية فائقة.

كنا نعيش بلا أطفال، فصرفتُ كل طاقتي في العناية بالمنزل والأثاث.. وبجون. قبل زواجنا، حذرني الطبيب من طبيعتي الحساسة المرهفة، ونصحني بالابتعاد عن مسؤوليات الأمومة، فأخبرتُ (جون) أنني سأعتني به كطفلي المدلل.

لم يكن من السهل على رجل مثله أن يستوعب هذا الهوس في البداية، لكنه استسلم أخيراً لإرادتي. قضيتُ سنواتي أحيك ملابسه بيدي، أختار له قمصانه، وأعتني بصحته وكأنه طفل رضيع. كنتُ أراقبه كل صباح؛ أتأكد من هندامه، مظلته، وحتى ملابسه الداخلية.

وإذا كانت السماء غائمة، أضع له معطفاً إضافياً في السيارة. لم يكن جون بارعاً في النظام، لذا علمتُه بصبرٍ مرير كيف يدخل المنزل من الباب الخلفي، وكيف يخلع حذاءه ليضعه في خزانته الخشبية، وينتعل “خفّ” السجاد قبل أن يخطو خطوة واحدة داخل البيت.

لقد استغرق تطبيعه على هذا النظام عامين من الصبر والتدريب المتواصل! كنا نمتلك سجادات فاخرة، وكنتُ أرتعد خوفاً من إهماله. وضعتُ قطعاً من المشمع في الأماكن التي اعتاد الجلوس فيها، وكنتُ أهرع لوضع منفضة السجائر تحت يده كلما أشعل سيجارة، خوفاً من سقوط ذرة رماد واحدة على البلاط.

حتى الطبيب لاحظ توتري الدائم، واقترح أن يساعدني جون في بعض الأعمال المنزلية ليخفف عني العبء، لكن كيف لرجل مثله أن يفعل ذلك دون أن يفسد نظامي؟ لقد اضطررتُ لوضع قطع المشمع حتى في المطبخ ليتحرك فوقها.

في اللحظات التي أعقبت وفاته، كانت رائحة دخان سجائره ما تزال عالقة في المكان. لطالما كرهتُ تلك الرائحة، وكنتُ أستخدم أغلى العطور لإزالتها من بدلاته. حتى في جنازته، اخترتُ له باقة زهور (هاركر) الرائعة، ووسادة مطرزة بعبارة “ارقد بسلام”.

قد تتساءلون: لماذا كنا ننام في غرف منفصلة؟ كان ذلك بطلب من الطبيب بسبب حالتي الصحية الحساسة، وكان بين غرفتينا باب لم يغلق يوماً.

في تلك الليلة المشؤومة، سمعتُ صوتاً منتظماً.. “قطرة.. قطرة.. قطرة”. ظننتُه صنبور الحمام، ناديتُ (جون) ليغلقه، فضحك وأخبرني أن كل شيء بخير وطلب مني النوم.

لكن الصوت لم يتوقف. في الصباح، دخلتُ غرفته لأوقظه كالعادة، فصعقتُ من المشهد: لقد قطع المسكين رسغه بشفرة حلاقة، وكان جثة هامدة. أما ذلك الصوت الذي سمعتُه طوال الليل، فلم يكن إلا صوت دمائه وهي تنزف.

فسر الطبيب الأمر بأن (جون) كان يعاني من مرض نفسي، فمن غير المنطقي أن ينتحر رجل لديه زوجة محبة ومعطاءة مثلي! لكنني وحدي أعرف التفسير الحقيقي. طوال عشرين عاماً، لم يقدر (جون) المجهود الذي بذلتُه لأمنحه بيتاً نظيفاً.

حتى في لحظة موته، ظل مهتملاً كما كان دائماً! لو أنه فكر فيّ قليلاً، ولو أنه تحرك في فراشه سنتيمترات قليلة نحو الأسفل، لكان دمه قد تساقط على قطع “المشمع” الرخيصة، بدلاً من أن يلوث سجادتي الثمينة ويفسد جمالها للأبد!

************************

الثيمات والأفكار

تُصنف القصة وعنوانها الأصلي “A Piece of Linoleum” (قطعة من المشمع) ضمن ما يُعرف بـ “القصة القاسية”، وهي نوع أدبي يعتمد على المفارقة السوداء والنهايات الصادمة.

وتتناول القصة:

  • الاستبداد داخل العلاقات الزوجية
  • العمى الأخلاقي والنفسي
  • الوهم الذاتي
  • البرود العاطفي
  • التدمير النفسي البطيء

 ديفيد كيلر

كان ديفيد كيلر طبيباً نفسياً وكاتباً غزير الإنتاج في أدب الخيال العلمي والرعب خلال النصف الأول من القرن العشرين.

اشتهر بكتاباته التي تغوص في النفس البشرية والهواجس المرضية، وغالباً ما حملت قصصه نظرة قاتمة للمجتمع والعلاقات الإنسانية، مع ميول محافظة واضحة في تصوير الأدوار الجندرية والعلاقات الزوجية.

والقصة التي وصفتها ليست حادثة حقيقية من حياته الشخصية، بل عمل أدبي خيالي، رغم أن كيلر تزوج ثلاث مرات قبل وفاته عام 1966.

المصدر: أوج 24

حول هذه القصة

الصائغ رحل مساء الجمعة في لندن بعد معاناة مع المرض

وداعا صادق الصائغ.. شاعر الحداثة الذي كتب وجع المنفى

المشروع افتتح ليكون نبضاً جديداً يجمع بين سحر العراقة وحيوية الحداثة (أوج 24)

“إقرأ داون تاون”.. حين تُبعث الروح في جدران بغداد العتيقة

الفيلم يركز على الجانب الإنساني الذي رافق جاكسون لعقود ( الحساب الرسمي لجاكسون على فيسبوك)

فيلم “مايكل جونسون” يشعل شباك التذاكر… وجمهوره يستعيد إرثه

بين الغياب والحضور، تولد الحكايات التي لا تكتمل (صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي)

5 قصائد للشاعرة البولندية إيزابيلا زوبكو

اترك تعليقاً