بعد ساعات من التلويح بتوجيه ضربات جديدة لإيران، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب تعليق العملية العسكرية، قائلاً إن الفرصة ما زالت قائمة للتوصل إلى اتفاق ينهي حرباً استمرت خمسة أشهر.
ويعكس هذا التحول، وفق تقارير أميركية وبريطانية، مزيجاً من الضغوط الدبلوماسية الخليجية، والتهديدات الإيرانية، والمخاوف من اتساع الحرب إلى منشآت الطاقة والممرات البحرية الحيوية، في وقت تواجه فيه واشنطن أيضاً تحديات عسكرية واقتصادية متزايدة.
وكشفت تقارير صحفية أن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان أجرى اتصالاً هاتفياً مع الرئيس ترامب، أعرب خلاله عن قلقه من توجيه ضربات أميركية جديدة لإيران، وحثه على تجنب التصعيد وإعطاء فرصة للمسار السياسي.
وبحسب مصادر مطلعة، فإن الرياض حذرت من أن استهداف البنية التحتية للطاقة الإيرانية قد يدفع طهران إلى الرد بضرب منشآت نفطية وغازية في السعودية ودول خليجية أخرى، بما قد يوسع رقعة الحرب ويهدد أمن الطاقة العالمي.
كما أشارت التقارير إلى أن قطر والإمارات وتركيا وباكستان كثفت أيضاً اتصالاتها مع واشنطن وطهران خلال الساعات الأخيرة، في محاولة لمنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة أشمل.
“The U.S.A. is locked and loaded and ready to go against the Islamic Republic of Iran, at levels of Military Terror, Strength, and Power not seen since World War II. Despite this, we have just been asked by Iran, and other Middle Eastern Countries, to hold off any attack in that… pic.twitter.com/Ylmlm06j3E
— The White House (@WhiteHouse) August 2, 2026
ترامب: ألغيت الضربة مؤقتاً بانتظار اتفاق سريع
في منشور عبر منصة “تروث سوشيال”، أعلن ترامب أن الولايات المتحدة قررت تعليق الضربة العسكرية بعدما تلقى طلبات من إيران ودول أخرى في الشرق الأوسط لإفساح المجال أمام اتفاق يجري العمل على ملامحه.
وأوضح أن تعليق الضربة يبقى مشروطاً بـ”التوصل سريعاً إلى اتفاق”، قال إنه يجب أن يتضمن:
- إعادة فتح مضيق هرمز بشكل كامل وفوري.
- إنهاء ما وصفه بالتهديد النووي الإيراني.
- إنهاء الحرب الدائرة منذ أشهر.
كما أكد أن إسرائيل تؤيد هذا المسار، رغم أن تقارير سابقة أشارت إلى وجود تباينات بين واشنطن وتل أبيب بشأن كيفية إدارة الحرب مع إيران.
اتفاق لم تتضح معالمه بعد
رغم حديث ترامب عن التوصل إلى “الخطوط العريضة” لاتفاق، لم تصدر إيران أي تأكيد رسمي بشأن وجود تفاهم جديد.
وتشير وكالة أسوشيتد برس إلى أن الإعلان الأميركي يمثل تحولاً مفاجئاً بعد أقل من 24 ساعة من حديث ترامب عن استئناف الضربات المكثفة لإجبار طهران على العودة إلى المفاوضات.
كما تذكّر الوكالة بأن الحرب شهدت بالفعل هدنة مؤقتة في يونيو/ حزيران الماضي، لكنها انهارت سريعاً بعد استئناف الهجمات في مضيق هرمز.

إيران: أي هجوم سيقابل برد حاسم
في المقابل، شدد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، خلال اتصالات هاتفية مع مسؤولين في السعودية وتركيا وباكستان، على أن إيران مستعدة للرد على أي “مغامرة عسكرية” أميركية أو إسرائيلية.
وأكد أن أي مشاركة أو تعاون من دول إقليمية في هجمات ضد إيران سيقابل بـ”رد متناسب وحاسم”.
وذهبت وسائل إعلام إيرانية مقربة من المؤسسات الأمنية إلى أبعد من ذلك، محذرة من أن استهداف منشآت الطاقة الإيرانية سيدفع طهران إلى مهاجمة حقول النفط في السعودية والإمارات، إضافة إلى منشآت الغاز في قطر، فضلاً عن أهداف إسرائيلية.
التصعيد لم يتوقف ميدانياً
رغم الحديث عن التهدئة، استمرت مؤشرات التوتر على الأرض.
فقد أعلنت الكويت اعتراض طائرات مسيرة إيرانية استهدفت منشآت حيوية، بينما أصابت شظايا منشآت حكومية وممتلكات مدنية دون تسجيل خسائر بشرية.
وفي الوقت نفسه، أفادت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية بتعرض ناقلتين قبالة السواحل العمانية لحادثين منفصلين، أحدهما أدى إلى إصابة غرفة محركات إحدى الناقلات بمقذوف مجهول، ما يعكس استمرار المخاطر على الملاحة في مضيق هرمز.
واشنطن تواجه ضغوطاً عسكرية أيضاً
لا تقتصر أسباب التهدئة على الحسابات السياسية والدبلوماسية، إذ تشير تحليلات عسكرية إلى أن الحرب الممتدة منذ خمسة أشهر بدأت تستنزف القدرات الأمريكية في المنطقة.
فبحسب تحليل لشبكة سي إن إن استناداً إلى تقارير مراكز أبحاث، انخفض مخزون صواريخ باتريوت الاعتراضية إلى نحو ثلث مستواه قبل الحرب، كما تراجعت مخزونات منظومة ثاد (THAAD) بصورة ملحوظة، بالتزامن مع استمرار الانتشار البحري والجوي الأميركي لفترات طويلة.
ويرى محللون أن استمرار الحرب بالوتيرة الحالية يزيد الضغوط على الجاهزية العسكرية الأمريكية، ويجعل أي تصعيد جديد أكثر كلفة من الناحية العسكرية والاقتصادية.
ما الذي يعنيه هذا التحول؟
تشير مجمل التطورات إلى أن إدارة ترامب لا تزال تستخدم التهديد العسكري كورقة ضغط تفاوضية، لكنها في الوقت نفسه تبدو حريصة على تجنب حرب إقليمية واسعة قد تستهدف منشآت الطاقة الخليجية أو تغلق مضيق هرمز لفترة أطول.
وفي المقابل، تحاول إيران استثمار قدرتها على تهديد الملاحة والطاقة لإجبار واشنطن على العودة إلى طاولة التفاوض دون تقديم تنازلات كبيرة.
وبين هذين المسارين، تبدو المنطقة أمام نافذة دبلوماسية جديدة لكنها شديدة الهشاشة؛ إذ إن أي فشل في التوصل إلى اتفاق سريع قد يعيد خيار الضربات العسكرية إلى الواجهة، ويقود إلى جولة أكثر اتساعاً من المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران.






