هجوم هرمز يهدد اتفاق إيران.. هل بدأ الصراع على إدارة المضيق؟
هيئة شؤون مضيق الخليج الإيرانية حذرت السفن من الإبحار خارج المسارات التي تحددها طهران ( تسنيم)
في وقت كانت فيه الأسواق العالمية تترقب عودة الملاحة تدريجياً عبر مضيق هرمز بعد مذكرة التفاهم الأميركية ـ الإيرانية، أعاد استهداف سفينة تجارية قرب السواحل العُمانية خلط الأوراق من جديد.
فالحادث لم يكن مجرد واقعة أمنية عابرة، بل كشف عمق الخلاف حول من يملك حق تنظيم المرور في أحد أهم الممرات النفطية في العالم، وما إذا كانت إيران تسعى لتحويل “المرور الآمن” إلى أداة نفوذ سياسي واقتصادي.

تحذير إيراني
وفي أحدث التطورات، حذرت هيئة شؤون مضيق الخليج الإيرانية السفن من الإبحار خارج المسارات التي تحددها طهران، مؤكدة أن أي سفينة لا تلتزم بهذه المسارات لن تكون مشمولة بضمانات المرور الآمن أو التغطية التأمينية أو أي مسؤوليات مرتبطة بالحماية.
وقالت الهيئة إن أي تبعات تنجم عن استخدام “مسارات غير مرخصة” ستقع على عاتق مالك السفينة ومشغلها وقبطانها، في رسالة واضحة إلى شركات الشحن بأن المرور عبر المضيق بات مشروطاً بالتنسيق مع الجانب الإيراني.
وجاء التحذير بعد إجراءات أعلنتها إيران عقب توقيع مذكرة تفاهم مع الولايات المتحدة، تضمنت فتح مضيق هرمز لمدة 60 يوماً من دون رسوم، وتقديم خدمات أمنية وبيئية وتأمينية للسفن التي تقدم طلبات عبور عبر القنوات الرسمية قبل 48 ساعة على الأقل.
لكن الأزمة تصاعدت بعدما تعرضت سفينة حاويات تابعة لشركة “إيفيرغرين البحرية”، وترفع علم سنغافورة، لضربة في مضيق هرمز قرب الساحل العُماني أمس الخميس. وقالت الشركة إن السفينة أصيبت بجسم غير معروف، لكن طاقمها وحمولتها بقوا سالمين، وإن الأضرار اقتصرت على منطقة جسر القيادة.
وأكد مسؤول أميركي لشبكة ” سي بي سي نيوز” أن الحرس الثوري الإيراني هاجم السفينة التجارية بواسطة طائرة مسيّرة. وبحسب تنبيه صادر عن مركز عمليات التجارة البحرية البريطاني، تضرر جسر قيادة السفينة بعدما أصيبت من جانبها الأيمن قبالة ساحل دحيت في عُمان، من دون تسجيل إصابات أو أضرار بيئية.
وذكرت التقارير أن السفينة كانت تسلك مساراً موصى به من جهة بحرية بريطانية وعلى الجانب العُماني من المضيق، لا المسار الذي تطالب به طهران.
الحادث دفع المنظمة البحرية الدولية إلى تعليق خطة لمرافقة مئات السفن العالقة داخل الخليج، بعدما كان أكثر من 11 ألف بحار ينتظرون مغادرة المنطقة بأمان. وقالت المنظمة إن سلامة البحارة تبقى الأولوية، وإن عمليات الإجلاء ستتوقف إلى حين اتضاح قواعد المرور.
ورغم الحادث، استمرت بعض ناقلات النفط والغاز في عبور المضيق، لكن شركات أخرى أعادت تقييم خططها، وسط مخاوف من أن يؤدي أي هجوم جديد إلى إبطاء عودة الملاحة ورفع تكاليف التأمين والشحن والطاقة.

الموقف الأميركي
ويمثل الهجوم تحدياً فورياً لجهود الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإعادة فتح هذا الممر البحري الحساس، الذي يمر عبره عادة نحو خُمس النفط العالمي.
في المقابل، قلّل وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو من المخاوف التي أثارتها الإمارات بشأن احتمال فرض إيران رسوماً على المرور في مضيق هرمز، واعتبر الأمر مجرد “تلاعب بالألفاظ”.
وشدد روبيو على أن الولايات المتحدة تريد اتفاقاً مع إيران، لكنها لن تقبل بأي صيغة تسمح بفرض رسوم أو “إتاوات” على المرور في ممر دولي مثل مضيق هرمز. وقال إن السماح بذلك سيفتح الباب أمام فوضى عالمية في الممرات البحرية.
وتخشى شركات الشحن من أن تكون إيران تسعى إلى تثبيت نفوذ مؤسسي جديد على المضيق، خصوصاً أن مذكرة التفاهم تتحدث عن حوار بين إيران وعُمان بشأن “الإدارة المستقبلية والخدمات البحرية” في هرمز، وهي صياغة تراها بعض الأطراف غامضة وقد تسمح بتفسيرات متضاربة.
ارتفاع أسعار النفط
على صعيد الأسواق، ارتفعت أسعار النفط لفترة وجيزة بعد الحادث، قبل أن تتراجع لاحقاً مع استمرار خروج بعض الناقلات من الخليج وعودة التحميل في مرافئ رئيسية، بينها رأس تنورة السعودية. لكن المحللين يرون أن أي توتر جديد في هرمز قد يؤخر عودة الأسعار إلى مستويات ما قبل الحرب.
الملف النووي
في الملف النووي، قال المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي إن الاتفاق الأميركي ـ الإيراني يحتاج إلى نظام تحقق “قوي جداً” لضمان عدم تطوير إيران سلاحاً نووياً. وأوضح أن النوايا المعلنة لا تكفي، وأن على المفتشين الدوليين استعادة القدرة على الوصول إلى المواقع الإيرانية في أقرب وقت ممكن.
أما سياسياً، لا تزال الفجوة واسعة بين واشنطن وطهران بشأن تفاصيل مذكرة التفاهم. فالرئيس الأميركي دونالد ترامب يقول إن إيران وافقت على أعلى مستويات التفتيش النووي، وإن أموالها المفرج عنها ستستخدم لشراء منتجات زراعية أميركية. لكن إيران تنفي تقديم التزامات جديدة، وتؤكد أنها ستقرر كيفية استخدام أموالها وفق مصالحها الوطنية.
وفي خلفية المشهد، كشفت تقارير أن الولايات المتحدة تدرس إعادة ترتيب وجودها العسكري في الشرق الأوسط، وربما نقل بعض المنشآت غرباً، بما في ذلك إلى إسرائيل، بعد تعرض قواعد أميركية في الخليج لهجمات إيرانية خلال الحرب. وتشير هذه النقطة إلى أن آثار المواجهة لا تزال تتجاوز المضيق إلى بنية الانتشار العسكري الأميركي في المنطقة.
كما يبقى الملف اللبناني جزءاً من المعادلة، إذ تؤكد طهران وحزب الله أن أي تسوية إقليمية يجب أن تشمل وقف العمليات الإسرائيلية في لبنان. في المقابل، تعمل فرنسا وإيطاليا على بلورة صيغة دولية جديدة لما بعد مهمة اليونيفيل، بهدف دعم الدولة اللبنانية ومنع تحول لبنان إلى ساحة تصعيد إقليمي.
اختبار سياسي
تكشف التطورات الأخيرة أن فتح مضيق هرمز لم يعد مسألة تقنية تتعلق بمرور السفن فقط، بل أصبح اختباراً سياسياً وأمنياً لمذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران. فإيران تريد مسارات محددة وضمانات تمر عبرها، والولايات المتحدة ترفض أي صيغة تمنح طهران حق فرض رسوم أو شروط على ممر دولي. وبينهما، تقف شركات الشحن وأسواق الطاقة أمام سؤال حاسم: هل عاد هرمز فعلاً إلى الملاحة الآمنة، أم أن الصراع على إدارته بدأ للتو؟
حول هذه القصة
القيادة الإيرانية تعتقد أن صمودها أجبر خصومها في النهاية على العودة إلى طاولة التفاوض (الصحافة الإيرانية)
قاليباف وعراقجي قادا مفاوضات إيران مع أميركا في سويسرا ( بريس تي في)